“مين خلّف ما مات”؟!!

Scan0034

(الى روح والدي اينما كانت)

 

مع انه لم يكن للشيخ مرزوق “ظهر”! الا انه كان شجاعاً يقول كلمة الحق و”لو على قطع رأسه”. عاش على البساطة ينصح، “ألبس قدرك حتى تنزل قبرك”. وكانت “اللقمة اللي بثمه مش إلو”. يتعربش مَرّاق الطريق ليتجاذبا اطراف الحديث على “انغام” هدير البريموس وبربقة بكرج القهوة..

إي نعم عاش هذا الشيخ على مهله مؤكدا، “غني مات فقير مات”. وكان في تفاهم تام مع حصانه بأن “العجلة من الشيطان”. وفي خصام دائم مع اصحاب الحل والربط.. فهذا الافندي “محراك شر”. وذاك الآغا، “مثل البرغش لا بنام ولا بخلي حدا ينام”. و”ابن الاربعاء” خسع و”الداسوس” ركع. و”سلاح البشّت مراية ومشط” وو..

وبرأيه ان “سراويل” (يقصد اسرائيل) جابت معها زْعيط وِمْعيط ونطّاط الحيط وكل الخرافيش التي “خرفشت” على محبة الناس لبعضها.. وحدث انه طرد “التحصيل دار” من البلد قائلا: ما صدقنا وتقلّعت تركيا فهل انتقلنا “من تحت الدلفة لتحت المزراب”؟! ثم اضاف بعصبية، “ولك يا اخو الشليتة” حكومتك مثل “المقبرة تأخذ ولا تعطي” وتأكل عَ الطالع والنازل مثل المنشار. والناس معهاش توكل وبدك ندفع ضرايب؟؟! فدفع الضريبة بتسجيل اسمه في (القائمة السوداء) ولم يشفع له ان في ثورة ألـ 36 اجار البعض من يهود بلده عندما حاول نفر من الثوار الاعتداء عليهم فقط لأنهم يهود. فهو متهم بأنه “عربي قُح” وكذلك سنة الاحتلال فتح بيته للنازحين وقاوم الترحيل بكل رجولة وفيما بعد رفض بيع ارضه لليهود.

وفي رأي هذا الرجل ان الدنيا فسدت وتشقلبت المفاهيم وصار الشب يحلق شواربه ويطوّل شعره والبنت تقص شعرها وتلبس البنطلون والهمالة “ضربت اطنابها” وو.. ونظر أليّ ذات مرة مضيفا: ومع هذا ـ يا طزمة ـ بدّك الزيتون يحمل كل سنة والارض تغلّ ويصير فيها خير؟!!.

فقلت اسمع يا ابي، “مجنون يحكي وعاقل يسمع” عند “اولاد عمنا” في “الموشاب” القريب بايعينها براس مالها ويعملون (الشغلة) الله يستر بعب الابوكادو وتحت البردقانة وكل سنة يأتي الموسم أفضل من الذي سبقه.

الوالد يا جماعة، أحب العلم إلا انه لم يحمل من الشهادات غير شهادة “لا إله إلا الله” ولم يبحث عن “جاه” أو “صيت” وكان يكره الوجهنة والنفاق وفي رأيه ان “حب الظُهور يكسر الظهور”. وكثيراً ما انتقد مشيعي الجنازات كيف يمشون امام النعش وليس وراءه. ولام من يستغلون المواقف لالقاء القصائد والخطابات المملة فوق رؤوس الموتى او غيرهم ممن “يدحشون” انوفهم في ما لا يعنيهم، وكل رأس مالهم: “الفاجر بوكل مال
التاجر”.

لكنه كان على قناعة ان “مال الحرام لا يدوم”. رغم ان  اكثر من مرة سأله عمي رشيد اذا كانت هذه القاعدة تنطبق على  كل الناس خاصة وان هناك من يعيش على النفاق والكذب  والسلّبطة..

ـ ارجو ان لا “تتسلبطوا” عليّ لمعرفة المزيد عن هذا الفقير فقد أمضى حياته “ماشي على الجنطة”، لم تغرّه المظاهر البراقة، عزيز النفس رفض الخروج من بيته المتواضع إلا “على ظهره” .

ماذا اقول لكم غير اني شعرت وكأن ظهري قد انحل عندما تأكدت انه لو استطاع، نعم لو استطاع هذه المرة لأخرج يده من النعش وأقفل الباب بالمفتاح ووضعه مكانه ـ في “الطاقة”. لأنه على ثقة بأنه سيولد من جديد ويعود الى هذه الحياة وتعود معه قناعاته واستقامته ومحبته للأرض والناس..

لكن اذا عاد وعرف ان الارض “دشرت” وكثير من القِيّم تبهدلت والقلوب لم تعد “عند بعضها” واولاده، هذا بالحارة “مثل المُنخل بلا طارة”. وذاك “الزيت قليل وداير يقلي زلابة”. وآخر “ماشي الحيط الحيط ويقول يا رب السترة”… فكأني به يتمنى العودة الى القبر لكن ليس قبل نشر اعلان براءة ذمة من المثل القائل:

مين خلّف ما مات!

ملاحظة: القصد بما اصاب اولاده هو تعبير عن ما حدث للمجتمع من انحلال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .