شجن ولادة الذات الجديدة * قراءة في ديوان ” خارج مدار الذات ” لسلمى جبران

                     ‏‏לכידה       

بقلم : الدكتور منير توما / كفرياسيف

عند قراءتنا لقصائد الشاعرة سلمى جبران في ديوانها ” خارج مدار الذات ” ندرك تماماً أن للحب دائماً صيغة خلّاقة أو طابعاً إبداعياً , وكأنَّ الإنسان لا يستطيع أن ( يحب ) من دون أن

( يخلق ) شيئاً خارج ذاته ِ . هكذا تبدو فاعلية الحب كامنة ً في تلك الذبذبات التي يحدثها في النفس والنفحات التي يجود بها على الروح في سعيها نحو التجدّد بولادة ذات ٍ جديدة للإنسان متنوع الحالات والظروف الحياتية التي يمر بها من ألم ٍ  ومعاناه وضيقات تتخلّلها أحياناً كثيرة بعض النوائب التي يكون فيها الشر المستطير الذي لا يفقه جوهره إلّا من كان لديه ِ رهافة الحس الشّفافة والقدرة على فلسفة الأمور بمفاهيم ذاتية تنعكس على وجوده ِ وكيانه ِ . وفي هذا الإطار كتبت سلمى جبران قصائدها . هنا مستحدثة ً روحاً أدبيّةً  فلسفية ً تتَّسم بالصور الفنيّة الملأى بالإيحاءات والاستعارات والتضمينات التي تحفّز القارئ على التفكير لأستقراء واستنباط الخلفيات التي بًنيت عليها موضوعات القصائد التي تتّصف الى حدٍ كبير بوجود وحدة موضوعية عضوية في طرح الأفكار وتناول العواطف والمشاعر الكامنة داخل الذات لينبثق في بوتقة واحدة هي محصلة ما تبغي الشاعرة إيصاله الينا .

إن الحب عند سلمى جبران في هذا الديوان يتذبذب بنا دائماً بين قطب الحياة وقطب الموت , وهذه هي فاعلية الحب عندها وفيها يكمن سر التعلق القوي به ِ . ولننظر ونتأمل المعاني التي تعرضها سلمى جبران في قصيدة ” قارئي ” ( ص 48 ) التي تعكس رؤية ذاتية هي مزيج من خلفية ٍ أليمة ٍ وانطلاقة تفاؤل فيها قفزات أو وثبات تفاؤل يتخللها بهجة خجولة نحو مستقبل ٍ فيه إشراقات تداعب الذات المتعبة بأحاسيس عبرت تترقّب انفراجاً فيه ِ تجديدٌ نحو حب ٍّ نستطيع قراءة معالمه الإنسانية الراقية شكلاً ومضموناً كما جاء في النص التالي للقصيدة :

يا قارئاً قلبي ويا متداخلاً

في حيرتي ومتاهتي

خذ كلَّ إحساسي وكلَّ مواقعي

وتخطَّ آلامي وكلَّ مرافقي

وانشد معي عبق َ الحياة  ِ

بمرِّها ونحيبها

وبروحها ورحيقها

فأنا أقدّسها معاناتي

وأعشق ُ لحظة ً فيها

تُحيل مواجعي أملاً , مخاضاً

يسترد براءتي وطفولتي

فتروق آيات الهوى لمسامعي

وتقرًّ عيني …

أنفض معي شجني

وراقب حيرتي

فتساؤلي أضحى جواباً قاطعاً

وهويّتي أسرارها

بين الحروف ِ وبيني …

وفي هذا السياق نلمس في قصيدة ” كشف ” ( ص 44 ) مكاشفة ذاتية عند شاعرتنا , وهذا نوع من الإبداع الذي يستمد أصوله ومقوّمات حركيته من صدق الموقف ودفء حرارته . ففي موقفها هنا تكون الذات عارية ً تماماً أمام الحقيقة الصارخة في عريها بدورها أمام الذات .

لذا ترسم سلمى جبران هذه الذات كما هي عارية من كل بهجة أو تزييف , يرفع عنها الأقنعة والسُتُر فتبدو مشتّتة ً محترقة ً بنار اللوعة والحرمان والظلم العاطفي والاجتماعي . لقد خرجت ذات الشاعرة من التجارب النسوية المتعاقبة لا تظفر إلّا بخيبة الأمل والإخفاق المضني , لقد كانت تجربتها الذاتية سراباً قاسياً يبدو قريباً وبعيداً في آن ٍ واحد . إن تجربة الشاعرة كما يبدو في هذه القصيدة  لم تنتهِ , وهي تخلق من كلماتها رحماً لولادة جديدة متجدّدة ونبعاً للحياة وألقاً للنور علّه يجود عليها بالتحوّل الذاتي الذي يدغدغ حلمها الضائع ويبشّر بزوال العائق المجتمعي المانع . وفي هذه القصيدة  تجسّد شاعرتنا هذه الرؤى والأفكار قائلة ً :

لا أدري من يحمل همّي

حين أميطُ لثاماً عن روحي

وأجوبُ الدنيا بجنوني

لا أدري كيف الخوف ُ

يداعبُ أغنيتي

ويصدُّ الفرح  ويقتله

يجعل أنغامي شاردة ً

ويثير شجوني …

كشفي عن روحي

يجعلني أشقى , أبحث ُ

خلف َ رماد ِ الغيم ِ الأسود ِ

عن بارقة ٍ من أمل ٍ

تطفي ناري

لا توقظ ُ قلقي

تحميني من قوم ٍ

لا فرق لديهم

بين جنوني ومجوني !

وفي قصيدة ” لحظة اضطراب ؟ ( ص 84 ) , نجد أن تجربة القصيدة كلها في إطارها الشمولي تنهض بها قوة تصاعدية تدفع نحو حدث ٍ مهم ٍ لافت وهو الولادة الجديدة أو قيامة الذات بما يكتنف هذا الحدث من آلام المخاض وفورة التحوّل من الحيرة التي تعتري روح الشاعرة الى التساؤلات المعذِّبة الى فيض النور المناهض للحيرة الذي ينير دربها للوصول أخيراً الى صليب خلاصها باعتبار الصليب رمزاً تمهيدياً للقيامة والتجدّد نحو ولادة جديدة للذات المتحررة من العذاب .

وفي هذا المنحى تقول الشاعرة في هذه القصيدة  :

روحي تضجُّ

فتعتريني حيرةٌ

تندسُّ بين جوارحي

تنسابُ

فتدور في قلمي

سؤالاتٌ تعذبني

وتسحق خافقي

فيُذاب ُ

ويفيضُ بي نورٌ

يناهض حيرتي

ويضيءُ أقبيتي ,

يعاتبني ,

فيقسوني العتاب ُ

ويُثير بي نَدَماً

على ضعفي

ويعجزعن قيامتي

اضطراب !

كنهُ الصليب يعيدني لمرابعي

فيهون ُ في قلبي العذاب ُ …

ومن هنا نرى أنه إذا وضعنا في الحسبان الصور الجزئية الظاهرة في هذه القصيدة  , استطعنا التوصّل الى وحدة النفس التي نظمت هذه القصيدة بوشائج قوية متواصلة ومتّصلة مع بعضها بعضاً وهي عناصر عميقة تعبّر عنها أعماق الشاعرة التي تصارع دوماً متاعب وقسوة الحياة , والولادة الجديدة في تجدّد الذات .

وفي قصيدة ” نورُك ” (ص 105 ) نتمثّل بوضوح دراما الإنسان الذي يحاول أن يعي ذاته وسط حشد التجارب الذاتية العاطفية التي تصنع في مجموعها نسيج الحياة . فهذه القصيدة تتناول موقفاً درامياً خاصاً للشاعرة يتضمن في بداياته ِ نفحة صوفية عابرة , لكنه يصوّر نظرة خاصة للشاعرة تجاه الحب في الحياة من جذورها ’ ومهمة الشاعرة هنا لا التعبير عن الحب درامياً بل استكشاف هذه الدراما . وربما كانت الصور الفنية في بداية القصيدة كالأسود والليلك تتقابل مع ما جاء في نهاية القصيدة بموت نبية الحب وعودتها لتنبت ثانية ً لترمز الى موت الماضي وخلفياته المأساوية الأليمة كتمهيدٍ أو توطئة ٍ لولادة ذاتية جديدة ( new rebirth  ) .

إن نور الحب في هذه القصيدة هو وسيلة في سبيل استكشاف الشاعرة لنفسِها وسط الضجيج المجازي لاسوداد الضيقات والآلام , وسط اصوات الماضي التي تتجاوب أصداؤها في نفسها .

وفي ذلك إشارة لو أنّ الشاعرة وعت نفسها الوعي الكامل لتحدّدت أمامها كل خيوط المستقبل , ولو وعى كل إنسان نفسه هذا الوعي لتحققت معجزة انتصار الإنسان بحقيقة الولادة الذاتية الجديدة ذات البُعد النفسي والعاطفي الى درحة ٍ ملموسة . ومن الواضح مبدئياً أنّ الشاعرة في هذه القصيدة لم تقرّر بطريقة مباشرة أنّ الحياة أساسها التناقض , وإنما شاءت أن تجسّم لنا في قصيدتها هذا التناقض بين كون الموت طريقاً للولادة الجديدة بفعل نور ٍ ينبثق من حُبٍّ صادق ٍ نيِّر , وبالتالي نجد أن منهج شاعرتنا قائم على استكشاف الحقيقة من خلال التجسيم والتخصيص . والنص التالي للقصيدة يلقي الضوء على هذه ِ المعاني :

فالنور الآتي من حبّكَ

أبهرَ روحي وتخطّى

كلَّ مراحل عمري

فتغيّر فيها الأسود بالليلك

وتحدّى عقلي ..

أصبحتُ أراك َ

وفي عيني عين ٌ ترقُبني

وبروحي روحٌ تكشفُ

كلَّ ستار ٍ يحجبُني

ويلوِّن ُ لي كلَّ

كواليس الماضي

ويحيل حياتي سُخرية ً

تنسفُ تاريخي

فأراني نبتة َ حُبٍّ

تتحوّل وتموت ُ بِحَوْلٍ

تتخطّى أقنوماً حيّاً

لتعود َ وتنبت َ ثانية ً

ولنبدأ بالعدِّ من العام ِ الأول ِ ! …

مما تقدّم , يتضح لنا أنَّ الشاعرة سلمى جبران تسير في هذا الديوان نحو رحلة استكشاف دائم لذاتها من خلال عالم الكلمة , هدفها الوصول بعالمها الخاص الى ما يشبه ولادة عاطفية وجدانية لذاتها باستكشاف دائم للوجود عن طريق الكلمة . ومن ثم كانت قصائدها وسيلة ً لغنى اللغة المتدفقة إحساساً وشعوراً وغنى الحياة الجديدة على السواء . وينبغي هنا أن نتذكر أنَّ شاعرتنا نفسها في  هذا الديوان تبدي تطوّراً من حيث إدراكها لأهمية العمل الإبداعي في سيرورته الشعرية الفنية وقيمته بالنسبة لحياتها جاعلة ً من قصيدتها وحدة في بنية متكاملة تمثل حياتها وتجربتها الإنسانية في سبيل استكشاف الحقيقة أو مجموعة الحقائق الجوهرية دون أن تملأ قصائدها بتفصيلات تمزق الرؤية الشعرية بل إنها لجأت الى الإيجاز  في كتابة القصيدة مكثّفة ً رؤاها بحيث كانت الرؤية الشعرية عملية ذاتية صرفاً بينما كانت التفصيلات المكثّفة الحيّة هي المادة الموضوعية التي تتجسّم خلالها الرؤية . وهكذا فإن َّ بين الذات وموضوع الولادة الجديدة لها إذن تقع الدراما ذات البنية الدرامية التي تعتمد أساساً على التفصيلات الحيّة البعيدة عن الإسهاب , وبالتالي الإستغناء عن التفصيلات غير الجوهرية بغية الوصول الى الهدف المتمثل في الانسان والصراع وتناقضات الحياة التي تشكّل العناصر الأساسية لكل قصيدة من قصائد هذا الديوان والتي لها هذا الطابع الدرامي على المستوى الشخصي الذاتي .

وأخيراً , أصدق التحيات للشاعرة سلمى جبران على إبداعها في هذا الديوان مع أجمل وأطيب التمنيات بدوام التوفيق والعطاء .

حزيران 2017

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .