أعراسنا  التراجوكوميدية// هادي زاهر

1

حرام ولله.. حرام

هلَّ علينا موسم الأعراس جعل الله أيامكم كلها أفراح ولكن هل هذه الأفراح تبقى بعد أن تذهب السكرة وتأتي الفكرة؟ أعتقد بان العرس عندنا ترافقه شوائب كثيرة  وحسنٌ لو استعرضنا الحدث واستخلصنا العبر اللازمة، والحقيقة هي أننا لو أمعنا النظر جيدًا في الموضوع  لوجدنا أن هناك أمور عجيبة غريبة تحدث في العرس عندنا، إذ تمتد بعض الأعراس على مدار الأسبوع ويتخلل بعضها عدة حفلات وفي يوم العرس يتم تناول طعام الغذاء في المنتزه وتكون وقعة ملوكية؟!! وأحيانا ينتقل المواطن من عرس إلى عرس بعد أن كبرت قرانا ولا يكون بإمكان المدعو تناول وجبة أخرى وبالرغم من ذلك يكون مضطرًا إلى تناول بعض الطعام مسايرة وتكون التكلفة الوليمة باهظة للغاية تدفع لصاحب المنتزه من النقوط  التي يحصل عليها العريس ووالده من المدعوين كقرض مصروف سلفًا؟!وهذا مما يدخل العريس في عجز مالي لفترة طويلة والعريس وأهله يجبرون على تحمل ذلك – مكابرة –  بسبب عقدة الشهرة ودوافع الغيرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا  التبذير؟ إذ كان بإمكان العريس الاستفادة من النقوط.. تحويشة العمر لإتمام العمارة أو شراء سيارة.. لماذا التبذير ووضعنا الاقتصادي بالرغم من المظاهر الزائفة سيء؟.. لماذا هذه الفوضى.. لماذا هذه البعزقة.. حرام.. ولله حرام

أما بصدد والد العريس فقد دعا جميع من حوله وأحيانا كثيرة لم يكتف بذلك ودعم دعوته بواسطة مكبر الصوت الذي أقلق راحة أهل بلده دون أن يعنيه ذلك فالمهم أن يطرب لسماع اسمه وربما يشعره صدى سماع اسمه وهو يلعلع في الأجواء بالعظمة؟!  وهو يفعل ذلك بالرغم من الخلافات الاجتماعية، أو السياسية بينه وبين قسم كبير من سكان بلده، بل بالرغم من الضغينة التي تعشش في القلوب الحاقد والتي غالبا ما تكون بسبب خلافات تافه للغاية.

وهو لا يهمه من سيحضر، فالمهم أن يكون الجمع غفيرًا وكيف لا يكون كذلك وقد تمت الدعوة  وفقًا لسجل الانتخابات أو حسب ساعات المياه المسجلة في المجلس المحلي؟!!

يتم ذلك لأن بعد العرس سيعقد أهل العريس حلقة استعراض لمن شاركهم فرحهم وسيخلصوا إلى نتيجة بأن الناس شاركتهم بهذه الكثافة لأنهم محترمون جدًا ولأن والد العريس إنسان محبوب ، والحقيقة أن والد العريس قد يدعوك  في حين أنه بصعوبة يلقي عليك التحية، عندما تلتقيه في الشارع، ويحدث أن تكون قد دعوته في مناسبات عديدة ولم يلب أيًا منها. وعندما تلبي الدعوة رغم كل ذلك قد تصادف أحد المعارف يسير مثلك في اتجاه العرس فيدور بينكما الحديث وقد يعترف لك بصراحة أنه ذاهب رغما عنه!  ويسترسل في حديثه حتى يهجو والد العريس معتقدا أن صراحته تعبر عن شجاعة قل أن نجد مثلها، وهو في الحقيقة أجبن من أن يجروء على عدم تلبية الدعوة! ويبرر اشتراكه بأنه إكرام لفلان من أقارب العريس، وعند الوصول إلى عرصة العرس ( يتلاقط) مع والد العريس في سيمفونية من العناق المتواصل..  وهات بوس.. قبلة على الخد الأيمن.. مبروك.. وقبلة على الخد الأيسر.. الله يهدي بالك.. ثم عودة على الخد الأيمن.. الله يجعل التمام على خير.. ويمنحه من حلاوة لسانه ما ليس له أي أثر في قلبه.. بعدها ضمة قوية جدًا لا يعني منها سوى شكلها المسرحي إذا صح التعبير. المشاهد لحلقات العناق المتواصلة يعتقد أن المتعانقين أخوان لم تلدهما أم واحدة أو شقيقان لذات الأم والأب، وقد يحسدنا المشاهد معتقدًا أننا مجتمع مثالي تسوده المحبة البالغة، وقد يذهب بعيدًا ويقرر في ذاته بأننا المثل الأعلى أو القدوة الحسنة لباقي المجتمعات.

 وعلى المائدة

على المائدة يدور الهمس! الأول يهمس في أُذن جاره: الأكل طيب.

الثاني يعترض: لا ناقص صنوبر،

فيتدخل الثالث قائلًا : اللحمة مدهنه

الرابع: شو يا.. مش ملحقين.. أخذنا قرض من البنك عشان نقدر عَ النقوط.

وهكذا هي الحكاية في كل عرس وعلى كل مائدة في كل عام.. الأمور تعود على بعضها ولا حياء لمن تنادي

( ويلهطون) غير مدركين ان بطن المرء عدوه.. وماذا يأكلون؟.. مأكولات محرمة طبيًا وغير طبيًا.. لحمة منقوعة في اللبن( فقعية) وبعد الغذاء ينهضون  ويتناولون الكنافة والعوامة التي تبق السكر وغيرها من الحلويات وعندما يصل واحدهم إلمحطة الاخيرة،  طاولة القهوة، يسال: عليها سكر.. لا دخيلك عندي سكر.. لقد أدخل كل سكر العالم إلى جوفه وفطن، سبحان من خلقه  بان كثرة السكر مضرة عندما وصل عند القهوة؟!!

ازدواجية وتناقضات في المشاعر.. في التصرفات.. في المأكولات.. في كل شيء!!.. غريب أمر هذا المجتمع، يسبون بعضهم بعضا، ويدعون بعضهم بعضا، ولو كانت تلبية الدعوة بمثابة فتح صفحة جديدة بين الطرفين، لكان ذلك أسلوبا حضاريًا، إنسانيا، راقيًا، أما أن تتم الدعوة خشية كلام الناس، و”على عينك يا تاجر” فهذه جريمة أخلاقية، وبالمقابل تلبية الدعوة والصدور نغلي حقدًا فهذه الأخرى جريمة أخلاقية لا تقل عن سابقتها.

حرام يا جماعة.. ولله حرام.

ما رأيكم

 فستان يكلف بصعوبة 500شاقل يباع ب 10000 شاقل؟!! ضيافة على مدار الأسبوع وربما على مدار الشهر.. طبيخ يشحن بالعربة ويُكب، باختصار مصروفات تحرق بدون معنى، لمجرد التباهي، ما رأيكم لو حولنا قسم من هذه المصروفات إلى نذور.. يتعهد المواطن بأنه عندما يزوج أبنه بدعم أحد المشاريع الخيرية، دعم محتاج، مؤسسة، مدرسة، بدلا من أن (يبعزق) هذه الأموال على المظاهر الزائفة والتي ستعود عليه بالضائقة في حين أن دعم أي مشروع في حياة المجتمع ستعود على الجميع بالفائدة تعالوا لننفذ الفكرة ونجعلها نمط حياة فذلك أفضل ولنا جزاء ذلك الثواب.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .