طنجرة ام شفيق. قصّة قصيرة بقلم: شهربان معدّي ـ يركا

عندما كانت شمس الظهيرة تتكبد قبة السماء وترسل أشعتها الحارقة لتخترق عريشة العنب المتكئة على كتف بيت أم شفيق بثبات وصبر، كانت كنتها ماتليدا زوجة الدكتور شفيق تتراقص كالفراشة من شدة الفرح وهي ترزم الحقائب استعدادا للسفر إلى تركيا في الغد القريب.

بينما جلست حماتها تحت عريشة العنب لتقيها من الحر القائظ، وكانت تتفحص بعينين منطفئتين كومة الخردة المكدسة بجانب مرآب سيارة ابنها شفيق، وكاد قلبها ينفطر من شدة الأسى عندما اكتشفت أن طنجرتها الغالية ملقاة بإهمال بين كومة الخردوات استعدادا لرميها مع باقي الخردة؛ هذه الطنجرة التي خبأت فيها ما بقي عالقا في ذاكرتها من ذكريات طيبة جمعتها مع عائلتها الكبيرة التي تفرقت بفعل الزمان، كيف تجاسرت هذه الكنة الأنانية أن تنتهك حرمتها…

ألا يكفيها أنها منحتها ابنها الوحيد شفيق، أغلى ما تملك لتتطاول على ممتلكاتها الخاصة، وتذكرت نمّليتها الصغيرة المحفورة من خشب السنديان والتي كانت تحفظ بداخلها القطين والزبيب المجفّف والراحة المزينة باللوز وأيدي أطفالها الصغيرة الممتدة لتحصل على المزيد.

ولم تتورع أن تتبرع بها السيدة ماتيلدا لمتحف البلدية دون إذنها وبدأت بنات عينيها تتساقط كالدّرر، عندما تذكرت السرير الصغير الذي هدهدت فيه لبناتها السبع وابنها الوحيد شفيق فكيف سولت لنفسها بأن تهديه لزاوية الدمى في روضة ابنها الصغير!

أطرقت أم شفيق هنيهة ثم عادت لتذكر قائمة طويلة من المقتنيات التي فرطت بها متيلدا؛ المنّسفة والقرّطلة وجرن الكبة والغربال، ثم رفعت نظرها إلى الشباك الوحيد المفتوح في الفيلا الفخمة محاولة إنقاذ الضحية الأخيرة التي تريد أن تتخلص منها كنتها المحترمة..

نظرت إلى الطنجرة السمراء وأخذت تخاطبها بصوت أقرب للاستجداء:

– انطقي أيتها الطنجرة الكريمة، أرجوك! اخبري متيلدا عن طبخة المغربية التي كانت تلمّ شمل العائلة عندما كان يتضاعف عدد الديوك في القن ويعلن عن عيد في الحارة، واخبريها عن طبخة المجدرة التي كان يسميها المرحوم أبو شفيق “مسامير الركبة” وكان يصر أن يلقم والده أول لقمة ويردد على مسامعنا:

– “اللّي ما عندو كبير يشتري كبير” وبنات اليوم حتى لم تسمع بهذا القول! ثم ارتأت أن تسمع كنتها حيث قالت بصوت عالٍ:

– آه يا طنجرتي من بنات اليوم رأسها أخف من بيضة على جمل، لا يشغلها غير تناول الطعام الفاخر في المنتزهات و… ولم تسمح لها كنتها التي أرسلت ضميرها لإجازة مفتوحة بإنهاء جملتها، حيث أطلت من النافذة وقالت متوعدة مهددة:

– إذا لم تلتزمي الصمت سوف اتصل بابنك شفيق لكي يسوي كل هذه الأمور معك!

ثم أغلقت النافذة بعصبية وعادت لترتب أمور السفر القريب.

شعرت أم شفيق بالإهانة هذه الكنّة القاسية التي لا تطيق حتى أن تسمع صوتها! ورفعت بصرها إلى السماء وكأنها تستعطفها! لعلها ترسل لها قرّة عينها شفيق، وبدأت تخاطبه وتقول: -أين أنت يا ابني الغالي لقد أسميتك شفيقا لأن الله عز وجل شفق علي ووهبني إياك على رأس سبع بنات، ربيتك في دفء العين ورعشة القلب ومنحتك كل ما أستطيع أن أمنحه! لأتلقى هذه المعاملة من زوجتك المتمدنة؟!

ماذا يجديك السفر يا ابنى? كل سنة تسافر لدولة مغايرة برفقة عائلتك متجاهلا خطورة السفر، في كل رحلة تأخذ قلبي معك ولا أسترده إلا عندما أسمع وقع خطواتك أنت وأطفالك في ساحة البيت، وأردفت تقول وكانت كل كلمة من كلماتها تساوي جبل:

لقد أخبرني ابنك الصغير بأنكم ستسافرون لبلاد الأتراك، ماذا يوجد لنا في تركيا، هل برتقالها أجود من برتقال يافا.. أم عنبها أحلى وأشهى من عنب الخليل؟! أم زيتها أنقى وأطيب من زيت الجليل .. حفنة من تراب بلادنا تضاهي كل أقطار العالم، هنا البلاد المقدسة مهد الديانات السماوية على جبالها وسهولها تجوّل أنبياء الله ورسله، والأتراك..؟ أي أثر طيب تركه الأتراك في بلادنا؟ كان ظلمهم فاحشًا.. قعدوا على صدرنا قرابة الأربعمائة عام، صادروا الأملاك وفرضوا الضرائب الباهظة وساد الجهل والفاقة بلادنا بعد أن أغلقوا المعابر والمخارج التي تربطنا بالعالم الخارجي  وها هم أولاد اليوم يضربون بعرض الحائط كل هذه الحقائق ويبذرون أموالهم هناك دون حساب.

انقضت سحابة النهار وأم شفيق لم تبرح مكانها تحت عريشة العنب وكانت تحاول تارة أن تلهي نفسها بمراقبة العصافير الجريئة التي كانت تحط على المصطبة الناعمة أمامها ثم تهاجم عناقيد العنب الذهبية المتمسكة بعنبتها الهرمة, وطورا بمداعبة قطة حفيدتها الفارسية المنفوشة كوسادة، وكانت تتمختر بزهوِ وخيلاء أمامها وكأنها بنظراتها العابثة تقول لأم شفيق: “أنا العزيزة المكرّمة”

طمعت أم شفيق في كسب ود حفيدتها حيث سكبت للقطة الحليب الطازج في وعاء صغير وأخذت تراقبها وهي تهز ذيلها الدسم وتلعق الحليب بنهم، ولم تكتمل فرحتها عندما قبضت حفيدتها المدللة نور على القطة وكادت تخنقها من شدة الضغط عندما حملتها وقالت لجدتها بنفور:

كم مرة أفهمتك أمي أن نونو لا تأكل غير الطعام المخصص للقطط!”، ثم دلفت لباب الفيلا الفاخر وأغلقته دون أن تنظر لجدتها المكسورة الخاطر.

 

جنحت الشمس إلى المغيب وأسدل الليل ظلامه وأم شفيق ما تزال جالسة مكانها على الكرسي القديم وهي تحدق بالبوابة الكهربائية منتظرة عودة شفيق، وكانت تحاول سدى أن تتجاهل طنجرتها اليتيمة الملقاة بين الأنقاض، ولكن كل محاولاتها ذهبت عبثا حين خيّل إليها أن طنجرتها تناديها يا أم شفيق…

عندها نهضت أم شفيق من مكانها وبدأت تسير بخطى بطيئة ثقيلة نحو كومة الخردوات وهي تتكئ على عظامها لكي تنقذ طنجرتها التي خبأت فيها ما بقي عالقا بذاكرتها من ماضيها القديم.

انحنت على كومة الخردة وسحبت الطنجرة بقوة غريبة وشعرت أن الله منحها طاقة فوق طاقتها حين رفعت الطنجرة من بين الأنقاض وحملتها بيدين مرتجفتين وعادت أدراجها وهي تشعر بلذة النصر، وكان ليلا أيهم لا نجم فيه ولا قمر حين تعثرت أقدامها بأشياء لم يفصح لها عنها الظلام.

مرّ وقت طويل على سقوط أم شفيق، حتى كشفت أضواء مركبة ابنها شفيق الفاخرة عن جسد امرأة متكورا في الباحة الخلفية, ترجل شفيق من مركبته الفاخرة وهرول نحو الجسد المشبوه، وكاد قلبه يسقط بين جنبيه عندما اكتشف أن هذه المرأة هي أمه وبجانبها طنجرة قديمة اضمحلت ألوانها! جن جنون شفيق وكادت عروق رقبته تنفجر وهو ينادي على زوجته ماتيلدا معاتبا إياها على إهمالها لوالدته التي نقلها فورا إلى المستشفى حيث مكثت بضعة أيام وكان شفيق لا يفارقها ليل نهار يطعمها بقلبه وروحه قبل أن يطعمها بيديه.

عندما تماثلت الوالدة للشفاء اصطحبها ابنها للبيت وهو يشعر بالخجل وتأنيب الضمير وأرقدها على سريرها برفق وكأنها طفلته الصغيرة المدللة، غاب بضع دقائق عن أمه وعاد يحمل طنجرتها السمراء التي بقيت كما أرادتها، بألوانها  الداكنة المضمحلة..

انفرجت أسارير أم شفيق وبان سنها عندما شاهدت طنجرتها الناجية، نظرت إلى شفيق بعينين تنطقان بالشكر والامتنان وغفتْ كطفلة صغيرة.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .