صلاح عويسات: قراءة في رواية “أنا من الديار المقدسة”

 

صدرت رواية اليافعين “أنا من الدّيار المقدّسة” للأديب جميل السلحوت عام 2020 عن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع الرواية التي يحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّان التّشكيليّ طالب الدويك، وصمّمها ومنتجها شربل الياس في 62 صفحة من الحجم المتوسّط.

كشجرة زيتون متجذّرة في أرض فلسطين، يروي الشّيخ جميل السلحوت قصّة شعب مظلوم، هضمت حقوقه كلّها حتّى على مستوى الإعلام الذي يقلب الحقائق ويزوّر التّاريخ، رواية جميلة رائعة، رواية “أنا من الدّيار المقدّسة “، حيث يبدأ الحدث في أمريكا حين تسأل معلمة إحدى الصّفوف طالبتين فلسطينيّتين عن بلدهما، فيتبيّن أنّ المعلمة ومديرة المدرسة لا تعرفان عن فلسطين إلا أنّها إسرائيل، ومن هنا تبدأ القصّة بالتّعرف على فلسطين أوّلا من خلال كتابين ﻹدوارد سعيد (قضيّة فلسطين) والثّاني (تغطية اﻹسلام)، وبعد التّعرف النّظري من الكتابين تعتذران ﻷهل الطفلتين عن الخطأ، ثمّ تقرّران ( المعلمة والمديرة) زيارة الدّيار المقدّسة للتّعرف عن كثب على فلسطين وأهلها، وهنا يتجلى الكاتب في الشّرح والتفصيل على لسان الدليل السياحي، فيورد تواريخ الأمكنة ووصفها بشكل دقيق يلفت النّظر، مع مراعاة الواقع المعاش في نفس الوقت، فحين يتحدّث عن سور القدس وبانيه سليمان القانوني وعن طول الجدار وارتفاعه وسمكه وبواباته، يذكر حرس الحدود وهم يفتّشون الشّباب الفلسطينيين بفظاظة، ويذكر ردّة فعل السّائحتين اﻷمريكيّتين الغاضب تجاه الحدث، وبيننا هو يشرح لهم عن أسواق القدس وحواريها، ومسجدها اﻷقصى وكنيسة القيامة ومسجد عمر بن الخطاب، لا ينسى المطعم الشّعبيّ في المصرارة، ويبيّن أنّ الحمّص والفول والفلافل أكلات شعبيّة فلسطينيّة، وليس موروثا عبريّا، ويظهر حرص الكاتب على طرح كلّ المسائل كالحفريّات تحت المسجد اﻷقصى وفي قرية سلوان، وينوّه إلى اﻵثار اﻷمويّة، ثم يعرّفهم على المقابر المحيطة بالمسجد اﻷقصى، كمقبرة باب الرّحمة، وحتّى اللوحة التي تزيّن واجهة كنيسة الجثمانية يشير إلى من رسمها وهو دافنشي.

من القدس إلى بيت لحم

أمّا في بيت لحم فكانت البداية سعيدة – وإن نغّص على المشهد منظر الجدار-إﻻ أنّهم حين زاروا مهد المسيح واستمعوا للشّرح وأدّوا الصّلوات ثم حلّوا بفندق دار جاسر، وحضروا عرسا فلسطينيا يزينه اللباس التّراثيّ الفلسطينيّ، وجوّ المحبّة والفرح، غمرتهم السّعادة، وفي اليوم التّالي طافوا أسواق بيت لحم الجميلة وابتاعوا اﻷثواب التّراثيّة وقطع التّراث اﻷثريّة والدّينية وهم في سعادة غامرة، إلا أنّ الجوّ انقلب بسرعة إلى أجواء حرب حيث قنابل الغاز والصّوت وعجّت السّاحة بالجرحى، هناك شعر الوفد بالغضب والخزي والعار خاصّة عندما تبيّن له أن اﻷسلحة المستعملة لقمع الشّعب الفلسطينيّ هي أسلحة أمريكيّة الصّنع، فقرّروا العودة إلى القدس سريعا والمكوث في الفندق حتى انتهاء اﻹجازة، إلا أنّ الدّليل أقنعهم بزيارة أريحا، وهنا يعرض الكاتب على لسان الدّليل المشاكل، عرض صاحب قضيّة يعرف ماذا يريد وتفاصيل اﻷمور منها مشكلة اﻹستيطان الذي يعتلي رؤوس الجبال، وتشريد أصحاب اﻷراضي اﻷصليّين كالجهالين، ثمّ يعرض مشكلة البحر الميّت ونقص الماء فيه نتيجة لحجب مياه نهر اﻷردنّ وتحويلها عنه لصالح مشروعات اسرائيليّة، ولا يترك مجالا إلا وعرض مشاكله، حتّى السّفر في طريق العودة كان هناك تباين في المعاملة في المطار بين الفلسطينيين وغيرهم من المسافرين اﻵخرين.

وفي الختام إن الأديب جميل السلحوت يستحقّ وعن جدارة لقب شخصيّة القدس الثّقافيّة التي منحته إيّاها وزارة الثّقافة الفلسطينيّة، كونه ابن القدس ويعرفها ككفّ يده، يعرف أماكنها وتاريخها وشوارعها وحواريها وكلّ ما فيها، وكل ذلك تجلّى واضحا في سرده الرّائع في هذه الرّواية الرّائعة.

19-11-2020

 

3 مُرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .