د. سامي الكيلاني: أنا والقصة القصيرة صباح محيي الدين و”خرّاب البيوت” الذي عمّر سردي

د. سامي الكيلاني: أنا والقصة القصيرة

صباح محيي الدين و”خرّاب البيوت” الذي عمّر سردي

للسرد والحكايات والقصص ركن فسيح في ذاكرتي، أدين له بالكثير من الفضل على ما تعلمت، وما أتقنت، وما حاولت، وما زلت أحاوله. القصّ، حكاية ورواية وقصة قصيرة، كان متعة الطفولة والمراهقة ومطلع الشباب، وأصبح فني المفضل والأول للكتابة والإنتاج سواء صريحاً أو متداخلاً مع الشعر أو النص المفتوح وقصة الطفل، أو حتى مع كتابة المقال أو الدراسة الأكاديمية. يعود هذا الفضل لفريق من الحكّائين من الرجال والنساء الرائعين. كان لهذا الفريق المتنوع المهارات والبصمات فضل كبير عليّ، فضل يتوزع على مساحات العمر. كانت “خراريف” جدتي ووالدتي وأبو تيسير وأم عارف تدخلني في عالم من الغرابة والمتعة وانتظار الكلمة التي ستتلو التوقف عن الحديث للتشويق، كانت مصائدهم تصطاد روحي بشباك من مزيج متنوع من أساليب التعبير في الكلام المنطوق وفي نبرة الصوت وتعابير الوجه، تختلط لتخرج في أداء متكامل يشدني إلى العوالم الساحرة من الغيلان والفرسان والبحور والجبال السود والأولاد الطيبين والنساء الصابرات، وإلى حلبات الصراع بين الطيبة والمكر، الصراع الذي ينتهي دائماً بانتصار الحق بعد كل الشقاء والدموع، بانتصار الفقير وردّ كيد الكائدين. وحتى لا أهضم حق والدي فقد كان له أسلوبه في تحبيذ الطرائف والحكايات الساخرة القصيرة التي تجعلني أضحك بملء الروح، إذ لم يكن لديه متسع من الوقت، وسط الركض خلف رغيف الخبز والتفكير بتوفيره، ليحكي الحكايات الطويلة.

لهذا الفريق من الحكائين دين في عنقي، عليهم الرحمة جميعاً. وأفكر أحياناً متحسراً: لماذا تأخرت أجهزة التسجيل والأجهزة الذكية في الوصول إلى عالمنا كل هذا الوقت؟ لماذا تأخرت؟ ألتحرمني من فرصة تسجيل تلك الحكايات بأصواتهم وتصوير أدائهم؟ يا الله كم ملأني الفرح عندما انتصر نص نصيص على الغولة، وعندما انتصر الشاطر محمد على عديديسة، وعندما عادت جبينة إلى أهلها أميرة معززة مكرمة، وكم امتلأت بالنشوة لبلاغة بنت الفوّال في ردع المتحرش، وكم فرحت وانتشيت عندما عاد شيخ الطيور بن يازور أميراً وتخلص من السحر. ويا الله كم تملكني الخوف وكم توترت في كل مرة هجم فيها الشاطر حسن أو محمد على الغولة التي تقدح عيناها بالشرر ورضع من ثديها وأكل من طحينها وتنفست معه الصعداء حين أعطته الأمان. غابت تفاصيل هذه الحكايات من ذاكرتي ولم تغب تفاصيل تلك المشاعر من الحزن والقلق والفرح، بقيت بكمالها وأكاد ألمسها متجسدة في صور حاضرة، ولن تغيب ما دامت الذاكرة تعمل.

أمسك فريق الحكائين هذا بيدي ودرجني بخطواتي الصغيرة إلى عالم الحكاية قبل أن أميز الحرف والكلمة، ومن ثم أدخلتني حكاياتهم تدرجاً إلى عالم الحكاية المكتوبة، وانجدلت حكاياتهم، لفترة ليست بالقصيرة، مع كل قصة حصلت عليها في طفولة لم تعرف الكتب خارج الكتب المدرسية، إلاّ حين تأتي المكتبة المتنقلة إلى المدرسة الابتدائية. درجتني حكاياتهم وأسلمتني لحب الكتاب وزرعت في شخصيتي عادة القراءة، ورمت في فؤادي بذرة الكتابة، وكان من الممكن لهذه البذرة أن تجفّ لولا “خرّاب البيوت”.

كانت قصة “خرّاب البيوت” قطرات الماء التي سقطت على تلك البذرة، جعلتها تلين وجعلت الجنين المخزون فيها يتململ وينتفخ من أجل حياة قادمة في انتظار مطر القصص والروايات التي صرت أستعيرها من مكتبة المدرسة الإعدادية بتشجيع من أمين المكتبة وبمعارضة ناعمة من أستاذ اللغة العربية الذي يوصي بقراءة “من وحي القلم” للرافعي واستنكار من معلم التربية الدينية عندما رآني أحمل قصص محمد عبد الحليم عبد الله ونجيب محفوظ. استمعت أول مرة لقصة “خرّاب البيوت” من برنامج للقصة القصيرة عبر الراديو ومن إذاعة لندن. كان البرنامج أحد برامج “هنا لندن”، هذه العبارة التي ينطقها بجرس خاص مذيعو هيئة الإذاعة البريطانية بعد دقات ساعة بيغ بن. صوت المذيعين ودقات الساعة وبرامج مثل “قول على قول” و”ندوة المستمعين” ومسلسلات إذاعية مثل مسلسل “النوق البيض” الذي أعجب عمي محمود الأخرس الذي لا يعجبه العجب، إلى جانب برنامج القصة القصيرة، كانت مصدر متعة لا تجارى وتشكل نوافذ أحلام وخيالات يطل منها الولد الذي كنته على عوالم جديدة بعيدة عن واقع القرية والعمل في الحقول. هذا الولد الذي لا يغادرني مهما تقدم بي العمر، هذا الولد الذي زرعت فيه القصص والحكايات توقاً للانطلاق ورغبة بالسفر ودخول تجارب لا تخطر ببال أبناء الفقراء مثله، جعلني أقف قبالة الساعة في لندن، عندما زرتها للمرة الأولى، منتظراً دقات بيغ بن وأبحث في الراديو الصغير الذي رافقني في تلك الرحلة الاستثنائية عن محطة “هنا لندن” العربية رغم معرفتي أنه لا يمكن التقاطها هناك، ولكنني كنت مطيعاً له دوماً وقد أطعته. تلك الزيارة، تلك الرحلة العجيبة التي بدأت من عمان إلى لندن براً عبر أوروبا وأنا في السنة الجامعية الثالثة، تبقى علامة متميزة في مخزون الذاكرة وتنتظر الكتابة، مع أن مقاطع منها ظهرت في قصص قصيرة كتبتها لاحقاً.

بقيت قصة “خرّاب البيوت” بسردها الممتع بصوت المذيع حاضرة في ذاكرة الولد الذي سمعها أول مرة، وتعززت علاقته بها بعد أن وجد صدفة كتاباً دون غلاف في “كراكيب” سقيفة الحجة تمام، كراكيب تحتوي مجلات وكتب تعود لابنها الذي سافر ليعمل معلماً في السعودية، وكان الكتاب مجموعة قصصية، وعنوانها “العائد”، فتفاجأ الولد بوجود القصة ذاتها ومعها قصة أخرى من القصص التي شدّته أيضاً عند سماعها في ذلك البرنامج ولكن بدرجة أقل، قصة القروي الذي اشترى ترام المدينة خدعة، قصة “صفقة رابحة”. أما قصة “العائد” التي حملت المجموعة اسمها فقد تناغمت مع ما كان يسمعه من الكبار عن الرجال الذين كانوا يتسللون عبر الحدود بُعَيْد العام 1948 إلى الوطن السليب ليقطفوا مواسم أرضهم أو يحضروا بقرة تذبح لتطعم الجياع، ووجدت صداها في قصة “لقد كان لاسمك قصة” التي كتبها ونشرت في مجموعته القصصية الأولى “أخضر يا زعتر”.

لسنوات كثيرة فكرت في تلك القصة، وصرت مهتماً بالبحث عنها والتعرف أكثر على كاتبها الذي ضاع اسمه من الذاكرة، أو ربما لم أكن قد عرفت اسمه لأن ذلك الكتاب كان دون غلاف، أو لأي سبب آخر. سكنتني القصة، وصرت مسكوناً بحب استطلاع دائم الاشتعال لأكتشف تلك التفاصيل، شعور خاص يمر بك أحياناً وأنت تبحث عن لحظة ضائعة أو مقطع عابر في حياتك تود لو تستعيده، ربما لتعرف شيئاً عن نفسك. ظلت الفكرة دفينة، لتطفو على السطح بقوة عندما جاءت محركات البحث الإلكتروني، وألقيت بعنوان القصة في محرك البحث لأكتشف اسم الكاتب، صباح محيي الدين. ولم يكن هناك أكثر من تلك المعلومة، ولكن حب الاستطلاع المتحفز، وربما المتوتر دائماً، لم يهدأ. اتسعت ذخيرة محركات البحث المختلفة حتى جاء غوغل غولاً سيطر عليها بسعته الهائلة فألقمته الاسم، فاكتشفت أنه سوري وتم ذكره ضمن كتّاب مدينة حلب. مؤخراً، دخلت أبحث عن الاسم مرة أخرى، فوجدت تفاصيل كثيرة عنه، الويكيبيديا تحتوي صفحة عنه، ومواد أخرى عن حياته بمناسبة صدور أعماله القصصية الكاملة، عن وزارة الثقافة السورية. ووجدت قراءة عن هذه الأعمال على Goodreads بقلم علي علّوش (علي قاسمو)، فدخلت إلى صفحة الكاتب وتركت له رسالة أستفسر فيها عن المجموعة الكاملة وعن إمكانية الحصول على نسخة إلكترونية منها، وأوضحت له اهتمامي بهذا الكاتب. كان علي كريماً جداً إذ أرسل مشكوراً نسخة بي دي ف من المجموعة، والتي تحتوي على دراسة عن حياة صباح محيي الدين وأعماله، إضافة إلى أعماله القصصية الكاملة ووثائق أخرى، منها سيرته بقلمه والتي كان قد أرسلها إلى الأديب السوري خليل هنداوي. شكرت علياً على هذه المساعدة وأوضحت له سبب اهتمامي بالكاتب وقصتي مع “خراب البيوت”، فأوضح لي أن صباح محيي الدين هو خال والده المرحوم، وأن اهتمامي هذا سيسر عمه الموجود.

شعرت بحلاوة الاكتشاف والإمساك بحلقة مفقودة تخص لحظة من حياتي وحلقة من الحلقات التي ربطتني بعالم القصة القصيرة. وأعدت من خلال المجموعة قراءة مجموعة “العائد” القصصية، وعثرت في المجموعة الكاملة على قصة تحمل فكرة تجديدية في القصة القصيرة دخلت في اللاوعي عندي وحاولت تقليدها دون أن أدري ولكن بطريقة مختلفة. في قصة “دم ومرجان” اتبع صباح محيي الدين أسلوب التصوير المتزامن للأحداث لشخصيتين في القصة، بأن جعل النص في عمودين يحتوي كل منهما صورة متزامنة لكل من الشخصيتين ثم يعود ليوحّد النص في صورة من الطبيعة أو المكان. كتب مقدمة طويلة لهذه القصة، بدأها بِ “هذه محاولة.. محاولة لنقل أسلوب صنعة من فن إلى آخر، من التصوير إلى القصة”. لقد رأيت هذا الكلام ورأيت النص المتوازي في عمودين سابقاً، ولكن كيف؟ هل كانت طبعة “العائد” تلك التي قرأتها في طفولتي لا تقتصر على القصص التي تحويها مجموعة “العائد” كما جاءت في المجموعة القصصية الكاملة؟ ربما. ولكنني متأكد أنني قرأت هذا الكلام سابقاً وكان خلف الشكل الذي حاولته في كتابة قصة “شعب” التي نشرت في مجموعتي القصصية “أخضر يا زعتر”، حيث احتوت القصة على عدة مقاطع قصصية مختلفة، وقلت يومها كما أن القصة القصيرة مقطع زمني من حياة فرد، فهذه القصة القصيرة هي قصة قصيرة لشعب وهي مقطع زمني من حياة هذا الشعب.

وجدتني أمام معلم علمني دون أن يدري، معلم كان مجهول الاسم بالنسبة لي على الرغم من أنني طالما أحسست ببصمته التي تركتها قصته “خرّاب البيوت” عليّ سماعاً وقراءة. هذا الكاتب الذي لم يعمّر، ولكنه في عمره القصير ترك في مجال الأعمال القصصية ثلاث مجموعات قصصية ورواية.

صباح محيي الدين شهاب لمع نوره من حلب، وامتد شعاع من هذا النور ليقدح زناد الكتابة السردية في فؤاد صبي أسرته حكايات الأمهات والجدات، فعمّر ذخيرة الكتابة لديه وأثمر، لكن تعاريج الحياة وتشتت الاهتمامات في أوطان لا تطعم فيها الكتابة خبزاً، ووطأة الحياة تحت احتلال غاشم وواجب النضال في وجهه، والعمل الأكاديمي في ميادين بعيدة عن الأدب، جعلت ثمار تلك الذخيرة أقل مما كان يصبو إليه.

صباح محيي الدين[i]، لروحك السلام.

أول الثمار

كانت أولى المحاولات الكتابية “شعراً”، هكذا بدا لي ما كتبته. كان صادراً عن شحنة وجدانية قوية ناتجة عن سماع الصورة الصوتية لوصف جنازة الرئيس العراقي عبد السلام عارف من إذاعة القاهرة. المذيع المصري جلال معوّض، البكّاء لبكائه على الهواء، بكى على الهواء وهو يصف الجنازة. كانت خسارة زعيم عربي في ظل المد القومي وبعد القمة العربية الأولى أو الثانية، خسارة من الأمل القومي لتحرير فلسطين. كنا نتخيل كل هذه الأقطار وكل هؤلاء الزعماء الذين يبدؤون خطاباتهم بتصميمهم على تحرير فلسطين المغتصبة، وخاصة أول خطاب بعد الانقلابات العسكرية التي كانت رائجة في تلك المرحلة. كتبت عدة أبيات قافيتها تتبع “عبد السلام”، وفيها الآلام والأيام. حملت ما كتبت وذهبت بكل فخر أريد أن أطلع عليه معلم اللغة العربية “انظر يا أستاذ ما كتبت”. حمل الدفتر المفتوح على تلك “القصيدة”، نظر نظرة قصيرة ثم أعاده لي سريعاً كمن يتخلص من شيء لسعه، مردداً “سياسة، ابعد، ابعد”. كسر بخاطري بعد أن اعتقدت وحلمت أنني سأتلقى منه الإطراء والتشجيع. لم أعد إلى المحاولات الشعرية إلاً بعد سنوات، حيث تمكنت، بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في العام 1967، من قراءة أشعار سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زيّاد في دواوين كنت أستعيرها من صديق يكبرني بسنوات واسع الثقافة ويقتني هذه الدواوين، وأصبح ضمن النماذج التي أقتدي بها. فكتبت “أشعاراً” تقلّد أشعارهم.

 

الكتابة النثرية جذبتني أكثر مع قراءة الروايات، فكانت أول المحاولات القصصية الذاتية كتابة قصة عن المجزرة التي حصلت في ساحة البلدة، بلدتي يعبد. سمعت القصة من أحد الناجين، فكتبت عنها. تخيلت الجنود المحتلين يطلقون النار على الرجال الذين جمّعوهم في الساحة، وحين حاول أحد الرجال الانتقال من الشمس الحارقة إلى الظل ظنوه يحاول الهرب، فبدأوا بإطلاق وابل من النيران على الجميع. سقط شهداء وجرحى. تخيلت أحد الجرحى ينهض من خلف جندي ويخطف سلاحه ويردي بعض الجنود قبل أن يفارق الحياة.

ثم بدأت روايات محمد عبد الحليم عبد الله الرومانسية تتفاعل مع مشاعر المراهق، وقصص الحب الحقيقية والخيالية التي يتبادلها الأصحاب. كانت قصة ابراهيم التي نسجها عن حبه لليلى تستحق أن تكتب في “قصة” كما فكرت، حين جاء إبراهيم يكاد الحزن يقتله وتترقرق الدموع في عينيه، ليلى تمت خطبتها لمعلم من أقاربها. فكتبت قصة أصف فيها حالته وحالتها وجعلت والدها يتوفى، لا أدري لماذا، وجعلتهما يلتقيان وهو يعزيها، ويسلمان بالقدر ويفترقان بقلوب مكلومة. عرضت القصة على إبراهيم وقلت إنني سأرسلها للجريدة للنشر، فثار وعارض وأخذها ليحتفظ بها ذكرى.

من المحاولات الأخرى، التي تعتبر تمارين في الكتابة أكثر منها إبداعاً كاملاً. طلب منا معلم اللغة العربية (الصف الحادي عشر) أن نكتب موضوع إنشاء عن قصيدة إيليا أبو ماضي “نسي الطين ساعة أنه طين”، فقمت بكتابة قصة بدلاً من موضوع تقليدي. ويبدو أنني كنت متأثراً بإحدى القصص المترجمة، إذ تحدثت في تلك القصة عن رجل خرج للصيد في الغابة عسى أن يعود لعائلته الجائعة بصيد، وانتهى النهار وحل الظلام وسقط المطر شديداً. حاول اللجوء إلى بيت فخم أو قصر في الطريق، فخرج صاحب البيت ولم يستجب لتوسلاته في قضاء بعض الوقت حتى يتوقف المطر، فرد عليه الرجل بكلام بليغ من ضمنه “ما أنا فحمة ولا أنت فرقد”.

وكانت محاولة أخرى شبيهة. من خلال مناقشة قصة لمحمود تيمور في كتاب الأدب، تتحدث عن أب يفقد ابنه تحت عجلات القطار، ويعيش مكتئباً، وينتحر تحت عجلات القطار بينما كان الكاتب في المحطة وشاهد ما حدث، وانتهت القصة هنا. لا أذكر هل طلب المعلم منا أن نستمر بالقصة ولا نجعلها تنتهي بعدما حدث أم أنني قررت من تلقاء نفسي القيام بذلك. كنت قد قرأت “البؤساء” لفكتور هوغو، وبتأثير شخصية جان فالجان الذي يختفي ويعتقد الآخرون أنه قد مات ثم يعود في شخصية جديدة. فأكملت القصة بتلقي الراوي دعوة لتنصيب عمدة لقرية قريبة، وعند لقائه ذلك العمدة، يكون الوالد الذي اعتقد أنه انتحر تحت عجلات القطار، فيوضح الأب أنه كان ينوي الانتحار لكن سقط رجل آخر ودهسه القطار، ورأى في ذلك رسالة من ابنه أو من الغيب ألاّ يفعل ذلك، وقرر أن يرحل ويبدأ حياة جديدة في قرية أخرى، وأحبه أهل القرية ووثقوا به ونصبوه عمدة لقريتهم.

المحاولة الشبيهة الثالثة كانت من خلال مسابقة للقصة أعلنت عنها مجلة “ألوان” التي كانت تصدر في تلك الفترة، أي أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي. طرحت المجلة بداية قصة تتحدث عن جدة كانت تحذّر حفيدها دائماً من الاقتراب من سقيفة في طرف الحديقة. وجاء الصبي، مدفوعاً بحب الاستطلاع، بكرسي ووضعه قرب النافذة وصعد عليه ونظر داخل السقيفة فسقط على الأرض من المفاجأة التي رآها. انتهت بداية القصة وعلى المتسابقين أن يكملوها. أكملت القصة بأن الصبي رأى رجلاً ممداً على سرير بضمادات على رأسه وعلى أجزاء من جسمه، والتقت عيناه بعيني الرجل. جاءت الجدة وأخذت الصبي وأعلمته أن الرجل من رجل مقاومة الاحتلال النازي، وأن ما رآه يجب أن يبقى سراً لأن النازيين إن عرفوا سيعدمونه، ووعدها الصبي أن يبقى الأمر سراً، وطلب أن يشاركها في رعاية الرجل وتقديم الطعام له. وحازت القصة على الجائزة الثالثة في المسابقة.

وفي الفترة ذاتها كتبت قصتين قبل الانتهاء من المدرسة الثانوية والالتحاق بالدراسة الجامعية في كلية العلوم في الجامعة الأردنية. القصة الأولى عن طفل بائع متجول يبيع العلكة والبسكوت وأشياء شبيهة في كراج الباصات واكتشاف أن والده شخص من رواد المقاهي والقمار ويترك أولاده في الشوارع يعملون في بيع هذه الأشياء. قصة كتبت بضمير المتكلم من ثلاث صفحات بعنوان “يلاّ بثكوت”، حيث إن الطفل في القصة الذي التقاه الراوي يلثغ بحرف السين. وكانت القصة الثانية بعنوان “أفاعٍ بشرية” تتحدث عن حرّاث أجير عند إقطاعي، يصاب بضربة شمس أثناء حراثته في يوم صيفي شديد الحرارة، وكان الإقطاعي قد رفض السماح له بالتوقف عن العمل والعودة إلى البيت بعد شعوره بالتعب، ويؤدي ذلك إلى وفاته.

غابت الكتابة القصصية عني أو غبت عنها ثلاث سنوات نتيجة التركيز على دراسة الفيزياء، ولم تتضمن سوى بعض الخواطر والمواضيع الثقافية للتداول بين الأصدقاء، ولكن هذه السنوات كانت فترة تخزين ثقافي ووعي فكري، وتعرفت في السنة الرابعة على كتابات قصصية معاصرة، وتأثرت بشكل خاص بقصص زكريا تامر وإسماعيل فهد إسماعيل، ليثمر هذا المخزون في السنة التالية في قصص “الإبحار”، و”طائرات وطيارات”، و”الأصابع”، والتي نشرت في أواخر العام 1977 في المجموعة القصصية المشتركة الأولى لأربعة عشر كاتب من الضفة الغربية وقطاع غزة بعنوان “27 قصة قصيرة من الأرض المحتلة”.

 

[i] كتب فيصل خرتش في موقع “ضفة ثالثة” الثقافي على شبكة الإنترنت (أكتوبر 2019) تحت عنوان “صباح محيي الدين: شهاب لامع طواه النسيان”

“وُلِدَ الكاتب والقاص والروائي صباح محي الدين (1925 – 1962) في مدينة حلب، وتعلّم في مدرسة السريان الكاثوليك، ونال الشهادة الابتدائية منها، انتقل بعدها إلى مدرسة “اللاييك” ونال منها شهادة البكالوريا عام 1942. انقطع بعدها عن الدراسة وعمل في عدّة أمكنة، وفي عام 1946 دخل الجمرك وعيّن في بيروت، فكان يعمل فيه نهاراً، ومساءً في صحيفة بيروت المساء، وبعد ذلك رحل إلى فرنسا لينجز الدكتوراه عن الشاعر غيوم أبولينير Guillaume Appolinaire وفي ذلك الوقت تزوّج من أوروبية وانتقل إلى لندن ليعمل في إذاعة الـ B.B.C.، ثم استقال منها قبيل حوادث السويس.
نشر في عدّة مجلات، منها: الآداب، السنابل، الصياد، بيروت المساء. وله ثلاث مجموعات قصصية، هي: السمفونية الناقصة، بيروت 1958؛ بنت الجيران، بيروت 1958؛ العائد، بيروت بدون تاريخ. وله رواية واحدة، بعنوان “خمر الشباب”، بيروت 1958.  وله كذلك بعض الترجمات عن الفرنسية، منها كتاب عن فولتير وكتاب “اليوم الموعود”.
دُعي إلى الكويت، ومات في حادث سيارة، ثم نسي من قبل النقاد وكأنه لم يقدم شيئاً ذا قيمة في الأدب، ليس في سورية وحدها، وإنما في الوطن العربي.”

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .