الحافلاتُ العامَّة..

أَفلَ نجمُ الحافلاتِ العامَّةِ بعدَ أَن كانَ ساطعًا في زمانٍ ليسَ ببعيد؛ وغصَّتِ الشَّوارعُ بالسِّيّاراتِ الخصوصيَّةِ (الملّاكي) على اختلافِ أَنواعها، وتبايُنِ أَثمانِها. فإِذا ركبتَ حافلةً اليومَ تجدُ نفسَكَ بينَ مسافرينَ يُعَدّونَ على أَصابعِ يديكَ الاثنتينِ لا أَكثرَ بعدَ أَن كانتْ تسيرُ مُثْقَلةً بالمسافرينَ، منهم الجالسُ، ومنهم الواقفُ، والهرْجُ لا ينقطعُ ما لم يصلِ المسافرونَ إِلى غاياتِهم.

لم تكنِ الحافلاتُ مجرّدَ وسائلِ نقلٍ من القرى إِلى المدنِ، وإِنّما كانتْ عيّنةً فريدةً لمجتمعٍ فريدٍ جمعَ بينَ سكّانِ قرىً لِتصبحَ قريةً واحدةً أَو تكاد. كم من قلوبٍ متنافِرةٍ تآلفتْ بعدَ عتابٍ، وكم من عيونٍ تبادلَتْ دفءَ نظراتٍ انتهتْ بزواجٍ ميمون. ولن أَكونَ مُبالِغًا إِن قلتُ بأَنَّ مئاتِ الكتبِ والمجلّاتِ قد قُرِأَتْ من قرّاءٍ جعلوا ساعاتِ سفرهم وقتًا حميدًا للمطالعة.

لقد كثرتٍ السَّيّاراتُ الخصوصيًّةُ فأَبعدتِ النّاسَ عن بَعضهم، وجاءَ التِّلفزيون فأَبعدَ الجارَ عن جارِهِ، وجاءَ الآي- فون فأَبعدَ الأَخَ عن أَخيهِ! وأَصبحتِ السَّهَراتُ مقصورةً على بعضِ الأَصدقاءِ وعلى الأَقاربِ والبناتِ والأَبناءِ والأَحفاد. ويا لها من سَهَرات! فقد جعلتِ الجَدَّ نَسْيًا منسيًّا.

رحمَ اللهُ زمانًا كانتِ الحافلاتُ العامَّةُ لا توصلُ القريةَ بالمدينةِ فقط، بل كانتْ تصِلُ القلبَ بالقلبِ أَيضًا!

صباحكم سكّر….. وصباح الرَّفيق أيمن عودة بدون شَكل!

حسين مهنا ـ البقيعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .