التعديلات المقترحة في المنظومة القضائيّة – ما لنا وما علينا

المحامي نضال حايك والمحامي محمد قدح

تدور في الآونة الأخيرة سجالات حادة بين طرفيّ المعادلة السياسيّة الإسرائيليّة،
حول حزمة التعديلات الّتي يقترحها وزير القضاء ياريف لفين، بما يتعلق بجهاز
القضاء بأذرعه المختلفة، على رأسها المحكمة العليا ومؤسسة المستشار القضائي
للحكومة.
من ضمن الاقتراحات، يسعى لفين إلى إجراء تعديل في لجنة تعيين القضاة، بحيث
يُعطى وزن أكبر للسياسيين ولممثلي جمهور يأتي بهم وزير القضاء على حساب
قضاة المحكمة العليا وممثلي نقابة المحامين، الّذين يشكلون اليوم غالبيّة في اللّجنة.
كما يقترح إجراء تعديلات تحد من صلاحيّة المحكمة العليا في مراجعة وإبطال
قرارات صادرة عن الحكومة وأذرعها، والحد من صلاحيّة المحكمة في إبطال
قوانين تمس بحقوق الإنسان.
بما يتعلق بالمستشار القضائي للحكومة، يقترح لفين الفصل بين هذه المؤسسة وبين
النيابة العامة، وتحويل وظيفة المستشارين القضائيين للحكومة والوزارات المختلفة
لوظائف ثقة، يعيّن فيها الوزير من يراه مناسبًا، ويقترح أيضًا اعتبار موقف
المستشارين القضائيين بمثابة توصية غير ملزمة.
الأقليّة العربيّة، كما في العديد من القضايا العامة، الّتي للوهلة الأولى لا تتعلق بها
مباشرة، محيّدة إلى حد كبير عن هذا السجال. ويمكن فهم نأي المواطن العربي
بنفسه عن هذا النقاش الّذي هو محل خلاف بين أحزاب اليمين واليسار الّتي لا تمثل
الغالبيّة الساحقة من أبناء المجتمع العربي. هذا النأي بالنفس نابع أيضًا من عدم
إنصاف جهاز القضاء للأقلية العربيّة في الكثير من القضايا السياسيّة والحياتيّة، بدءًا
من قانون أساس القوميّة في السنوات الأخيرة إلى أبسط القضايا اليوميّة الّتي تحمل
أبعادًا سياسيّة وقوميّة.
في الواقع، وبصرف النظر عن الاستقطاب الدائر بين الأحزاب السياسيّة، لجملة
التعديلات المقترحة (ونرفض تسميتها بإصلاحات)، أبعاد وتبعات كثيرة على حياتنا
اليوميّة كأفراد وكمجموعة أقليّة. كما أن لهذه التعديلات إسقاطات أخرى محتملة
على عمل المؤسسات العامة المختلفة، بما فيها السلطات المحليّة.

على مستوى حقوق الإنسان، ودون تجاهل دور منظومة القضاء في شرعنة
سياسات وقوانين تكرّس التمييز تجاه الأقليّة العربيّة، لا شكّ أنه خلال السنوات
كانت بعض التدخلات للمحكمة العليا الّتي تمثلت بإبطال قرارات وقوانين تتعارض
مع حقوق الإنسان (مثلًا، في قضية خصخصة السجون، منع متقاضي مخصصات
التأمين الوطني من امتلاك سيارة وغيرها)، وكانت تدخلات أخرى للمستشار
القضائي للحكومة في قرارات لوزراء ومسؤولين (كما أوضح المستشار القضائي
مثلًا في السابق لوزيرة الثقافة بعدم وجود صلاحية تمكنها من منع دعم لمؤسسات
ثقافيّة عربيّة وحالات أخرى مشابهة).
نعلم أن هذه التدخلات المحدودة بعيدة عن أن تكون مرضية، لكن مجرد فكرة
التدخل القضائي تشكل رادعًا لكثير من الاقتراحات ومشاريع القانون، ولنا أن نتخيّل
وضع حقوق الإنسان إذا ما لم يكن رادعًا كهذا، خاصة على ضوء الكم الكبير من
الاقتراحات العنصرية والمتطرفة الّتي تضمنتها الاتفاقات الائتلافيّة.
أمّا على المستوى الإداري – المؤسساتي، وهذا صحيح للحكم المركزي وللحكم
المحلي أيضًا، فتقليص صلاحيات المحاكم والمستشار القضائي للحكومة من شأنه
أن يفتح الباب لتداخل الاعتبارات الشخصيّة والسياسيّة للقرارات المختلفة الّتي
تتخذها المؤسسات، دون رادع أو حسيب.
بكلمات أخرى، التعديلات المقترحة تضعف أسس الإدارة السليمة وتمس مباشرة
بنزاهة عمل المؤسسات وقراراتها وتزيد من التعيينات السياسيّة على حساب
المعايير المهنيّة. فلنا أن نتصور سخافة الدور الّذي سيشغله مستشار قضائي لوزارة
يختاره الوزير بوظيفة ثقة، كما يختار مساعديه الشخصيين. غالب الظن أن
مستشارًا كهذا سيشغل دور "مفتي السلطان" ويترجم الرغبات السياسيّة لمسوغات
قانونيّة. هذا لربما صحيح أيضًا بالنسبة للقضاة الّذين سيعينهم السياسيين
ويستجوبونهم في الكنيست – حول مواقفهم السياسيّة على الأرجح!
لتبسيط الأمور، يمكن أن نذكر مثلًا تعيين مدقق حسابات صودرت منه رخصة
مزاولة المهنة بسبب اختلاس زبائنه أمينًا للصندوق في لجنة تخطيط وبناء. اليوم
يمكن الالتماس للقضاء لعدم معقوليّة تعيين كهذا (بغض النظر عن خبرة ومعرفة
هذا الموظف). حسب الاقتراح، قد تفقد المحكمة الصلاحيّة للتدخل في مثل هذه
الحالات، وموقف المستشار القضائي إذا ما عارض تعيينًا كهذا لا يكون ملزمًا.
السلطات المحليّة على وجه الخصوص، والّتي هي بطبيعة الحال أقرب للمواطنين،
ليست بمعزل عن هذه الاقتراحات الّتي تطرحها الحكومة. تقليص صلاحية الرقابة
القضائيّة يوفر تربة خصبة للقرارات التعسفيّة ذات البعد السياسي، ولشرعنة قوانين
مساعدة تتناقض لربما مع حقوق الإنسان – أحد الأمثلة البارزة لذلك قد يكون منع

المحكمة من التدخل بقوانين مساعدة تتعلق بإغلاق المصالح التجاريّة يوم السبت في
المدن المختلطة.
كما أن سياسة التعيينات الّتي تتبناها الحكومة في مقترحاتها، وعلى رأسها تعيين
مستشارين قضائيين بوظيفة ثقة وبتبعية للوزير، تؤثر على الجو العام والموقف
السائد بالنسبة للتعيينات ونزاهتها. قد نسمع قريبًا عن مقترحات لتبني هذه الأفكار
في الحكم المحلي، ونجد من يقول إذا كان اختيار المستشار القضائي لوزارة يتم
عبر تعيين سياسي من قبل الوزير، فلنختار المستشار القضائي للبلدية بنفس
الطريقة!
الجهاز القضائي الإسرائيلي يحتاج بلا شك لإصلاحات، ولتعديلات دستورية تنظم
عمله وعلاقته بباقي السلطات، ولربما أهمها سنّ قانون أساس التشريعات وقوانين
أساس أخرى تضمن الحق في المساواة وحقوقًا أخرى، عمل المؤسسات الإدارية
والسلطات المحليّة تحديدًا بحاجة لإصلاحات جذرية. لكن التعديلات المقترحة تأخذ
منحى مغايرًا وتضيّق الهامش الديمقراطي وتضعف أسس الإدارة السليمة بدلًا من
تعزيزها.
إذًا للتعديلات المقترحة تأثير مباشر علينا كأفراد وكمجموعة أقليّة، بما في ذلك
إسقاطات على عمل المؤسسات الإدارية والسلطات المحليّة، حيث من شأن هذه
الاقتراحات أن تفتح الباب لتغييرات إضافيّة تقوض أسس الإدارة السليمة وتعمّق من
تداخل السياسة في القرارات الإدارية والمهنيّة.
نأي المجتمع العربي بنفسه عن الجدل الدائر تجاه تلك المقترحات ليس حلًا.
الجمهور، ممثلوه في الأحزاب والمؤسسات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني
مطالبون في بلورة موقف من هذه القضايا وطرحه بالطرق والأطر المناسبة.
المحامي نضال حايك مدير عام جمعية محامون من أجل إدارة سليمة. المحامي
محمد قدح عضو الطاقم القانوني في الجمعية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .