اسحق هرتسوغ، رئيس حزب العمل: نتنياهو يقوي “حماس”

a

أجرى المقابلة: يوفال كارني
في ليل يوم الثلاثاء تلقى رئيس المعارضة ورئيس حزب العمل عضو الكنيست اسحق (بوجي) هرتسوغ مكالمة هاتفية مفاجئة من مراسل الـ “بي.بي.سي” من فرع الشبكة في بلفاست في ايرلندا الشمالية. وقال له المراسل الايرلندي إن المجلس البلدي في بلفاست استقر رأيه على ازالة لافتة التكريم عن البيت الذي ولد فيه أبوه حاييم هرتسوغ الرئيس السادس لدولة اسرائيل بعقب احتجاج منظمات مؤيدة للفلسطينيين. وبقيت على البيت علامة صامتة على لافتة لم تعد موجودة.
مع الألم الشخصي يوجد في هذا الامر من وجهة نظر هرتسوغ شهادة اخرى على حالنا في العالم. “لبيبي ذراع عسكرية جيدة لكن ليست له ذراع سياسية ولهذا يدخل المعركة مع تفويض محدود ينتهي تقريبا في نهايتها”، يقول. “تعمل اسرائيل في هذه الايام فوق آخر بخار التفويض الذي منحها إياه المجتمع الدولي، وقد حان الوقت لمحاسبة النفس”.
* خلال أيام “الجرف الصامد” منحت أنت وحزبك نتنياهو والاجراءات العسكرية التي استقر رأيه عليها دعما مطلقا، فماذا حدث الآن؟
ـ “كان ذلك بصفتي رئيسا للمعارضة طبيعيا وصحيحا لأنه حينما يقاتل جنودنا يجب دعمهم. وقد جعلتنا المعركة نواجه تحديا لم نتوقعه فُرض علينا. ولم تكن الدولة والمستوى السياسي مستعدين لهذه المعركة. حينما يكون المواطنون تحت النيران وتحت الصواريخ أقف الى جانبهم والى جانب الجيش الاسرائيلي وأدعم المستوى السياسي”.
وماذا الآن؟
“الجو العام ثقيل. يوجد شعور بالبلبلة والشلل في قيادة الدولة العليا. إن المستوى السياسي لم يزود بالسلعة وهو مشغول طول الوقت بصراعات داخلية. ولكل واحد خطة سياسية ويُبين كل عضو في المجلس الوزاري المصغر موقفه للجمهور. وقد أعلن أحد اعضاء المجلس الوزاري المصغر مسبقا في مدونة في الشبكة الاجتماعية ماذا سيكون موقفه في المجلس الوزاري المصغر، فأين يُرى شيء كهذا؟
ـ “أعتقد أنه حان الوقت للتغيير ولادراك أن معارك من هذا النوع لا يمكن أن تُحسم بصورة عسكرية فقط. ليست خريطة المعركة هي المدافع والصواريخ فقط بل هي أكثر تعقيدا. فشل نتنياهو لأنه استعمل مدة سنين سياسة أقعد ولا تفعل. وقد رأى التهديد يتطور في الجنوب وكان يمكنه أن يغير صورة التاريخ باجراء سياسي شجاع مع الفلسطينيين. لكن سياسته عند كل علامة طريق بلغ إليها أضعفت أبو مازن وشجعت “حماس” على أن تدخل مواجهة عسكرية معنا.
“يؤسفني أن بيبي ليس قويا في مواجهة “حماس” بل قواها. وقد أحدثنا طنجرة ضغط مغلقة انفجرت في النهاية. وأصبحت “حماس” التي كانت ضعيفة قبيل المعركة تدرك أنها جاءت بانجاز بوسائل عسكرية وشعبها موحد حولها. ولم نحصل على دعم دولي بواسطة عمل سياسي ولم نعزل حماس ووقع نتنياهو في فخ آخر الامر.
“نشأ في منطقتنا حلف آسر نحن جزء منه يشمل مصر والاردن والسلطة الفلسطينية والسعودية ودول الخليج. وهو حلف يعبر عن رؤيا اقليمية، لكن ماذا فعل نتنياهو بذلك؟ شغل نفسه فقط بالثرثرة وبطلب البقاء السياسي. وهو يجعجع بين كل انواع الرسائل والاستنتاجات ووزراؤه مشغولون طول الوقت بالمناوشات التي تسبق الانتخابات، وهم يطلقون النار في جميع الاتجاهات ويبلبلون الجمهور ولا توجد سياسة متسقة. وأنا أتوقع من رئيس الوزراء على الاقل أن يُفصح عن رؤياه.
“كان لي في اثناء المعركة مع نتنياهو عدة أحاديث ولقاءات. وأنا أتفهم ايضا بعض مواقفه. وأنا لا أقذفه بقولي: “أنت لا تعلم ما الذي تتحدث عنه”، لكن حينما يبلغ الامر الى النواة الاساسية لا أتبين عندنا استعدادا للتوجه الى عمل يُحدث تغييرا، فهو مغروس في منظومة هواجس ومخاوف سياسية وعقائدية تمنعه من أن يُحدث التغيير”.

رئيس آخر في المعركة
لم يكف هرتسوغ فقط انتقاده في ايام القتال تحت شعار “الهدوء، يطلقون النار” بل جند نفسه ايضا بطريقته للمعركة: فقد التقى سكانا في غلاف غزة، وزار جرحى في المستشفيات، وزار مع زوجته العائلات الثكلى، وتجول في مصانع ومشاغل صغيرة أصيبت، وظهر في لقاءات مع وسائل الاعلام الاجنبية، ونظم في تل ابيب لقاءً مع سفراء اجانب ليُبين موقف اسرائيل بل أخذ السفير المهان دان شابيرو لزيارة جرحى في مستشفى سوروكا في بئر السبع. وقد شاهد لعبة نصف النهائي في العاب كأس العالم في كيبوتس أور هنير وبقي لينام في كوخ خشبي في كيبوتس نير عام. ويقول حان الوقت الآن لمسيرة سياسية.
* ليس من المؤكد أن يتفق الشعب معك ولا سيما سكان الجنوب الذين يشعرون بأنهم مخدوعون؟
ـ “من الطبيعي أن يقوى اليمين زمن الحرب. فالجمهور يؤيد المعركة العسكرية كما نؤيدها تأييدا مطلقا، لكنه يقول ايضا إنه يجب علينا بعد أن تنتهي العملية أن نتوصل الى تسوية سياسية. وقد سمعت في المذياع واحدة من سكان سديروت أصاب بيتها مباشرة صاروخ قسام حينما كانت تشاهد التلفاز، وقالت إنه يجب تنظيف غزة لكن يجب اعطاؤها لأبو مازن آخر الامر، وهنا توجد التسوية.
“في اللقاءات الكثيرة التي أجريتها مع سكان غلاف غزة تحدثوا عن مشاعر قاسية. فالمواطنون هناك يشعرون احيانا بأنهم شفافون في نظر الحكومة. وليس الحديث فقط عن اطلاق صواريخ القسام أو قذائف الهاون أو الصواريخ بل الحديث ايضا عن الحياة اليومية المعتادة. وقد التقيت هذا الاسبوع سكان “نتيف هعسرة” الذين يشتكون منذ سنين من إساءة المؤسسة البيروقراطية لكل من يسكن هناك. وتستجدي كيبوتسات وقرى زراعية الحصول على مخصصات من الارض للاتيان بسكان آخرين ولا تحصل على ذلك. ويطلب المزارعون معاملة أقل تشددا في مسألة استعمال عمال تايلانديين ولا يُستجاب لهم”.
* يزعمون ايضا أن الرد على اطلاق صواريخ على مركز البلاد أشد كثيرا من الرد على اطلاق صواريخ على غلاف غزة؟
ـ “إن اطلاق صاروخ من وجهة نظري على غلاف غزة يشبه اطلاق صاروخ على تل ابيب، ويجب أن يكون هذا توجهنا الوطني”.
يقول هرتسوغ حان الوقت الآن ليعتذر رئيس الوزراء وعضوا المجلس الوزاري المصغر، ليبرمان وبينيت، اعتذارا معلنا الى سكان الجنوب خاصة ومواطني الدولة عامة عن الوعود الباطلة في زعمه التي وعدوهم بها.
“وعد نتنياهو هذه الوعود زمن عملية “الرصاص المصبوب”. وقد كنت آنذاك عضوا في المجلس الوزاري المصغر وأتذكر تصريحاته حينما كان رئيسا للمعارضة عن القضاء على سلطة “حماس” واسقاطها. وهو اليوم يدفع ثمن تصريحاته المبالغ فيها، وأنا باعتباري رئيسا للمعارضة غير مستعد لأن أعد الجمهور وعودا باطلة. يجب أن يكون الهدف الواقعي تسوية سياسية وأن تضع “حماس” سلاحها وتشارك في السياسة الفلسطينية. لأنه لا يمكن القضاء عليها في داخل السياسة والمجتمع الفلسطينيين. يجب أن نكون واقعيين”.
* هل تُحادث حكومة اسرائيل “حماس”؟
ـ “من الواضح أنها تفاوض “حماس” في حين كان يجب أن يكون أبو مازن عنوانها الحقيقي. ويجب أن يتم تعمير غزة على نحو لا تخرج “حماس” معه منتصرة. وكان يجب على اسرائيل أن تبادر الى حسم سياسي مع “حماس” لا الى حسم عسكري فقط”.
* أربما لا خيار لنا سوى مُحادثة “حماس”؟
ـ “مشكلتنا الكبيرة هي أن تقوية “حماس” تمنع من القدرة على التوصل الى تسوية سياسية، وهذا هو عدم المنطق. ففي كل مرة نهب لـ”حماس” جائزة نُضر باحتمال التوصل الى تفاهم حقيقي مع ذلك الحلف الذي يقوينا اليوم. وقد كان يجب على نتنياهو منذ زمن أن ينظر الى المبادرة العربية نظرة ايجابية”.
* لو كنت مكانه ماذا كنت تفعل؟
ـ “الفرق بيننا هو أنني اعتقد أنه يجب أن نعرض على الجمهور رؤيا أمل تعوزنا جدا. ولا يعلم أحد الى أين يسعى وما هو هدفه. يجب على نتنياهو أن يقول الحقيقة لسكان غلاف غزة وهي كم من الوقت سيستمر ذلك لأن الامر قد يستغرق زمنا. ولو كنت أنا لوجهت ضربة مؤلمة لـ”حماس” وسافرت بعد ذلك فورا الى محمود عباس الى رام الله أطرق الباب وابدأ محادثته”.
مشكلتك، بخلاف نتنياهو وعدد من وزرائه في المجلس الوزاري المصغر، أنه ليست لك صورة الأمني.
“لي تجربة كبيرة أكثر من كثيرين آخرين، ويعرف الجمهور كيف يحكم على زعامة مدنية مسؤولة متزنة ثبتت في اوضاع اختبار من قبل. كنت أمين سر المجلس الوزاري المصغر. وجلست سنين هناك وقت اتخاذ قرارات حساسة مؤلمة. وأنا خريج “الرصاص المصبوب” وحرب لبنان الثانية. وكنت وزيرا في عدة حكومات.
“يبحث الجمهور عن زعامة مدنية متزنة تعرف كيف تعمل مع الجنرالات. عندنا جيش ممتاز. والامتحان هو من المُجرب المتزن ذو الفهم السياسي العارف بالساحة الدولية. لو كنت أنا لجئت هذه المنظومة برئيس آخر. أنظر الى منظومة العلاقات القاسية المعوجة بالادارة الأميركية، لا اعتراض عندي على زعم أن لهذه الادارة توجها مختلفا لكن يجب في نهاية المطاف أن توجد ثقة بين الزعيمين، ولو كنت أنا لبنيت منظومة ثقة مع كل رئيس أميركي”.

* السؤال هل تتاح لك فرصة كهذه؟.
ـ “اؤمن بيقين أنه توجد هنا فرصة لكتلة واحدة كبيرة تتجه الى الانتخابات التالية مثل قوة مركزية. أريد أن أرى جبهة واحدة مثل الحركة وكديما واجزاء من يوجد مستقبل. فقد اصبح الجمهور يعلم أنه لم تعد حاجة الى منح احزاب الجو اصواتا. أنظر الى لبيد ويوجد مستقبل، ففي كل يوم وعد باطل، والكثير من الرياء والعروض مع عدم النتائج”.

كراهية من هنا ومن هناك
إن هرتسوغ وربما بخلاف المتوقع من رئيس المعارضة غير متحمس لفكرة انشاء لجنة تحقيق اسرائيلية في أحداث “الجرف الصامد” والفترة التي سبقتها. “يجب الفحص عن قضية الانفاق، واجراء استيضاح صائب أو انشاء لجنة فحص، لكنني لست من اولئك الذين يقفزون فورا ويطلبون لجنة تحقيق في كل شيء”.
* وما رأيك في لجنة شباس؟
ـ “من المؤكد أنني قلق من انشاء هذه اللجنة. لأنه يوجد هنا مطاردة مرفوضة غير عادلة من المجتمع الدولي لدولة اسرائيل في كل ما يتعلق باحكام الحرب. عملت اسرائيل بحسب قواعد القانون الدولي وإن وقعت أخطاء فيجب الفحص عنها. إن المس بالأبرياء قاس ومؤلم جدا. وقد تغلغل تغلغلا عميقا عند اصدقائنا في العالم، وكان ذلك وسيلة “حماس” للاضرار بنا سياسيا، لكن عملياتنا كانت في اطار الدفاع عن النفس ومحاولة العثور على مصادر اطلاق الصواريخ”.
وبرغم ذلك يعتقد هرتسوغ – الذي كان الوحيد في المجلس الوزاري المصغر الذي عارض القطيعة مع لجنة غولدستون بعد عملية “الرصاص المصبوب” – يعتقد أنه يجب على اسرائيل في هذه المرة ايضا أن تتعاون مع لجنة الامم المتحدة. “هذه اللجنة اشكالية جدا ورئيسها مرفوض من كل محكمة في العالم على إثر تصريحاته، لكن يجب أن يوجد عمل مقر عمل جدي جدا للفحص عن كيفية العمل معها. إن لنا قضية وقد استعملنا الحذر الشديد جدا لتجنب اصابة أبرياء وعندنا ما نكشف عنه ونثبته”.
إن الاحداث العنيفة العنصرية التي حدثت هنا في الاسابيع الاخيرة تقلق هرتسوغ بقدر لا يقل عن لجنة شباس. “يجب علي أن أضرب لك مثلين من الشهر الاخير. التقيت ألاه بار خليلة الملازم اول باز الياهو الذي قتل في العملية. وقالت لي في خلال الثكل الفظيع: “أشد ما يقلقني الكراهية التي يؤججونها هنا على جيراننا العرب”. والتقيت في المستشفى ران ايضا وهو ضابط من جولاني جُرح. أصابه رصاص في جسمه كله لكن كان أول شيء قاله لي: “أوقفوا التحريض والعنصرية”.
“أصبح اليوم التالي واقعا، والامر المقلق هو خطاب الكراهية الذي نشأ في المجتمع الاسرائيلي. وهو خطاب فظيع مخيف بزغ منه عنف قاس. توجد هنا اكثرية صامتة تعرف الحقيقة وهي أن اليهودي والعربي سيعيشان هنا معا الى الأبد. فليكفوا عن بيع الجمهور أوهاما. توجد هنا قوى وحشية من الكراهية من هنا وهناك. إن قتل الفتى محمد أبو خضير هو علامة طريق فظيعة في تاريخ الدولة وهي ظاهرة لم نر لها مثيلا في الماضي، وقد أثرت في المزاج العام في البلاد.
“يندد الجمهور العربي في أكثره بسلوك حنين الزعبي ويريد أن يُعايشنا هنا في هدوء وسلام. حينما يدعو افيغدور ليبرمان الى القطيعة مع معامل العرب لا يُدرَك مبلغ فظاعة ذلك، وإن سكوت نتنياهو في هذا الامر خطير جدا. يمكن أن نرى مدونات فظيعة في الشبكة الاجتماعية وشتائم وسب لكن سلامة العقل والمسؤولية هما الطريق لقيادة هذه الدولة”.
* هل تسمع هذا ايضا من القيادة العربية؟
ـ “التقيت في الشهر الاخير في البلاد قادة عربا أرادوا أن ينقلوا رسالة الى الجمهور اليهودي تقول: لسنا حنين الزعبي. فهذا مهم لهم آخر الامر لأنهم يريدون أن يعيشوا هنا ايضا في هدوء وسلام”.

عن “يديعوت أحرونوت”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .