“ما هكذا تورد الإبل”/ د. رندة زريق- صباغ

 

 

randa(1)

لطالما امتعضنا، من عدم تطرق وحتى ذكر الإعلام العبري لنا كأقلية فلسطينية عربية في البلاد، وإن حدث ذلك أحيانا فإنه إما للحديث عن حالات قتل وعنف في مجتمعنا، أو من خلال تصويرنا كمجموعة فولكلورية ترتدي الزي التقليدي وتركب الجمال والدواب، ترقص بالسيف، تطلق الرصاص في الأفراح والليالي الملاح، وما إلى ذلك من عادات ومظاهر تتركنا في قوقعة التخلف والعيش في القرون الماضية، وهي طبعًا الفكرة والهدف الأعلى لمؤسسات الدولة الرسمية تحديدًا.

نجحت بعض الشخصيات الفلسطينية بكسر هذا “التابو” والظهور بالإعلام العبري بشكل مختلف أحيانا، كبعض أعضاء الكنيست، بعض الأساتذة والمحاضرين الكبار، قليل من الفنانين والفنانات، الذين فرضت أعمالهم أو مواقعهم على الإعلام العبري/اليهودي استضافتهم لدقائق معدودات، كانوا من خلالها وفي معظم الأحوال متهمين يدافعون عن موقف، فكر، فعل أو تصريح معين.

لطالما تمنينا أن نرى إعلانًا عربيًا في الإعلام العبري، ومع إدراكنا التام بأن ذلك ليس ممكنا تناسينا حتى نسينا المطلب الحق، كما نسينا مطالب أخرى أكثر أهمية وأكثر ضرورة.

ولا ننكر أننا ومع دخول المحطات الفضائية العربية، ابتعدنا عن مشاهدة المحطات العبرية لنجد منانا ومرادنا في محطات تشبهنا أو تخيلنا أنها كذلك وصدقنا، فحتى المباريات الرياضية بتنا نفضل مشاهدتها مع تعليق بلغتنا، وهكذا لسنوات وسنوات.

فجأة تقرر إدارة أحد المراكز التجارية اليهودية  الكبرى  -من الأوائل في البلاد- بعد أن تنبهت إلى أنها تخسر زبائنها من “همجزار هعربيي”، أنها ستسعى بكل الطرق لمحاولة استعادة بعضهم، فكانت الفكرة العبقرية، وهي اعلان ناطق بالعربية في المحطة الثانية إحدى أكثر المحطات إنتشارا بين اليهود وأحيانا بين العرب المتعلمين أو المثقفين.

يبدو أن الفكرة الحلم والتي تحققت كانت أكبر من أن يدركها القائمون عليها،  إنها فرصة ذهبية ورسالة مجتمعية قبل أن تكون فرصة تجارية تدر أرباحًا كبيرة، لكن بما أن الأرباح هي المحور الأول، ولن أقول الوحيد للجهات الثلاث جاء الإعلان ساذجًا، يصور المرأة العربية بشعة، غبية لا تفقه من العيش سوى الزواج والإنجاب، سوى المطبخ وما إلى ذلك من أفكار أكل الدهر على بعضها وشرب، ظهرت في المتجر تنتقى الأغراض وتحاول تقنع زوجها عبر الهاتف بطريقة سوقية مبتذلة فيها الكثير من الإهانة للرجل العربي قبل المرأة.

المركز التجاري يريد زيادة الأرباح.  مكتب التسويق والاعلانات يسعى نحو الشهرة والمدخول العالي. القناة الثانية طبعا الربح هو همها الأول. مؤدية الإعلان تسعى للشهرة.

لست ضد الربح وجني الأموال طبعا، ولست ضد الشهرة، ولست ضد كل ما هو منطقي وشرعي ويحق للمرء إن يصبو إليه، بالعكس تماما لكنني مع جملة ” لكل مقام مقال”، مع مقولة “الغاية لا تبرر الوسيلة”—ومع حالة “ما هكذا تورد الإبل” و “ما هكذا تؤكل الكتف”.

لا أضيف شيئا حين أقول إننا شعب عاطفي، وإننا مجتمع أفراده لم يتربوا بالمجمل، ولم يعتادوا على التخطيط قبل التنفيذ، وهذا بالضبط ما حدث مع هذا الإعلان المسكين الذي أمكن أن يكون نقطة تحول، وإنطلاقة جديدة حقيقية أن تم تجييره بالشكل السليم.

أبدأ من القناة الثانية، وغيرها من المحطات التي أظنها كانت ستعمل على بث أي اعلان إن تلقت المقابل المالي المناسب، فحتى إن كان باللغة السنسكريتية، لن تمانع في بثه .

المركز التجاري الذي وصل أخيرًا لقناعة جعلته يكرس مبلغًا هائلًا لإعلان موجّه للزبائن العرب وبلغتهم كي يستعيد بعض مجد خسره، وعددًا من الزبائن الذين أغرتهم المنافسة والعروض المغرية في مراكز أخرى، فقررت بث الإعلان في وقت الذروة أثناء بث مباراة اليورو، لكن حظها السيء لم يسعفها إذ أن المباراة لم تبث عبر الأقمار الصناعية، ولم تعرض في إسرائيل إلا من خلال Yes—Hot وبالتالي عاد الجميع بخفي حنين ليلتها.

شركة التسويق التي تم التوجه إليها، وخاصة المسئول العربي فيها، هي التي أوجه عتبي إليها بكل المحبة، إعلان كهذا في مرحلة كهذه، وجب أن يتم التخطيط له باستشارة أخصائي نفسي أو اجتماعي، إضافة لمختص في نمط سلوكيات المجتمع اليهودي، ووجب أن تكون _برأيي_ أجندة الاعلان ليس إثارة حفيظة اليهودي من رؤيته لصورة امرأة عربية قبيحة وغبية، ليتم تأكيد فكرته عنها والنفور من محطته المفضلة. وإنما أن يثير الاعلان لديه الفضول والإستغراب الايجابي من عقلية المرأة العربية الذكية والأنيقة التي وبناء عليه، تشتري احتياجاتها واحتياجات منزلها من هذا المتجر دون سواه، وأيضًا أن يظهر الزوج-الذي لم يظهر في الإعلان- حضاريا متفهما.

لم ينتبه القائمون على الإعلان أن نسبة المشاهدين العرب للمحطات الإسرائيلية هي منخفضة من جهة، وتتركز بفئة المثقفين المتعلمين من جهة ثانية كما أسلفت، وبالتالي لا بد وأن يتوافق الإعلان الصاروخي الذي سيحرر فلسطين بما يتوافق مع عقلية هذه الشريحة وعدم الإستهانة بذكائها. وهكذا خسر الجميع الرهان بشكل مضاعف.

قلتها سابقًا وأكررها، إنّ استقطاب هذه الشخصية -المسماة أم منى في المسرح- لكم من الحضور لا يعني نجاحها في الإعلانات، وهو مطب وقع فيه قبل سنوات الممثل الأردني حسن طبيشات المعروف بالعم غافل، حتى وصل درجه حرق من خلالها الشخصية وحرق نفسه كممثل أيضا.

تحدث القائمون على الاعلان عن أنه يندرج ضمن إطار الكوميديا السوداء، لكني أقول لكم لن يرقى  التهريج يوما لهذه الكوميديا العظيمة التي عبر الكبار من خلالها عن واقع سياسي، اجتماعي، عسكري، جنسي قمعي وغيره من الأوضاع الصعبة جدا. الكوميديا السوداء هيّ نوع من الكوميديا والهجاء، تمتاز بأنها تدور حول مواضيع تعتبر عمومًا تابوهات أو أمور “محرم الخوض فيها”، بحيث يتم التعاطي مع تلك المواضيع بشكل فكاهي أو ساخر، مع الاحتفاظ بجانب الجدية في الموضوع. مواضيع الكوميديا السوداء تتضمن مواضيع الموت والانتحار، والحرب والإرهاب، والعنف والجريمة والمخدرات، والخيانة الزوجية، والجنون، والعنصرية والشوفينية، إضافة إلى الجنس وما شابه.

هذه هي الكوميديا السوداء ولا يليق وصمها بقمطة ومريول ولتغة مزعجة  للمراة الغبية. “الاعلان فين والكوميديا السوداء فين”، هذا الاعلان ليس اكثر من اساءة لكل عربي، رجلا كان ام امرأة، وطبعا اساءة للغة الضاد اولا واخيرا.

وبما أننا شعب، مجتمع وأفراد عاطفيون جدا ولا نقوى إلا على ردود الأفعال، ولم ننجح يوما بالبدء بفعل جدير بالإحترام والثقة، فإننا فرحون جدا إذ نجحنا بإستفزاز المشاهد اليهودي مثبتين له حصولنا على حقنا بمساحة إعلانية بالعربية، وبما أن هذا المتجر هو من حقّق لنا هذا الحلم الضائع، فطبعا سنشد على أياديه ونعود لنشتري من فروعه المنتشرة، مثبتين له أننا قوم يقدّر المعروف ويرده بأكبر منه… إذن بالمحصلة وعلى المدى البعيد حقق المتجر مبتغاه، ولا أظنه أنه يخشى من خسارة زبائنه اليهود لإجل ذلك- كذلك فإن القناة الثانية ستعيد الكرّة، إذا وجدت زبونا دسما يدفع ما تطلبه لقاء ثوانِ أو دقائق معدودات، وهي الإخرى لن تهاب هجران متابعيها اليهود لأنها قادرة على تعويضهم عن هذا “الخلل” من جهة، ومن جهة ثانية لا يمكن للجمهور اليهودي الإستغناء عن هذه القناة لفترة طويلة.

وهكذا حقق اليهود مرادهم الإقتصادي، كما حققوا غيره على حساب كرامتنا وإحترامنا لذاتنا. إن لم نغيّر فكرتنا نحن أولا عن أنفسنا، لن تتغيّر عند الآخرين….فلنحذر ولنحسب خطواتنا جيدا، ولنحاول مرة واحدة على الأقل تشغيل بعد النظر، وتوسيع الأفق، لما فيه مصلحتنا ومصلحة أولادنا.

وكما قال السيد المسيح: “ماذا ينتفع المرء إن ربح العالم كله وخسر ذاته”!

قد يقول بعضكم، إنني أعطي الموضوع أكثر من حقه وإنه ليس أكثر من إعلان عابر… فأقول: بل إنه أكثر من ذلك بكثير، وهذا ما يؤلمني ويؤلم الكثيرين.

 

 

(مستشارة ثقافية وفنية)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .