“رحلة الصحراء الأولى” انطلقت من حيفا في ذكرى النكبة: سلمان ناطور، أضحك وأبكى وتحدى محكمة الجنايات  

 

دقائق طويلة صفق الجمهور الذي ملأ قاعة مسرح الميدان بحيفا، مساء السبت الماضي، عندما ألقى سلمان ناطور بالحطة الفلسطينية على الحضور قائلا: “راحت الأرض وما بقي لي غير هالحطة، قبل ما يعملوا منها فساتين للسهرة، خذوها”.

“رحلة الصحراء الاولى: حدثتني الذاكرة ومضت”، هي نتاج متجدد لذاكرة سلمان ناطور (مسرح الافق بحيفا) وللذاكرة الفلسطينية التي تسكنه منذ حوالي أربعين عاما. وهي نص سردي صدر في ثلاثية وهو يمسرحها (او هي تمسرحه كما يقول)  مستبدلا الجزء الثالث منها “انتظار” بيوميات حرب ما، لتشكل صرخة ضد الحروب التي تلاحق الشعب الفلسطيني منذ النكبة وضد كل حرب. ستأتي الرحلة الثانية حتى نهاية هذا العام والثالثة في مطلع العام القادم.

حضر العرض بحيفا جمهور متنوع بينهم مثقفون وعمال وسياسيون ومدراء مراكز ثقافية من الجليل والكرمل والمثلث، وفي خلال أكثر من ساعة زمانية اختزل ناطور الروايات الفلسطينية بثلاث شخصيات حضرت بقوة في النص وهي شخصية أبي صلاح اللواح الذي يخفي خلف فرحه ونكاته وشغفه بفن الدبكة، مأساته الشخصية وماساة شعبه. والشخصية الثانية هي الشيخ عباس الذي قال عنه اهل البلد: “الشيخ عباس، لانه فقد الذاكرة اكله الضبع”، والشخصية الثالثة هي أم عبد الحسن التي اتهمها اهل البلد بأنها هي المسؤولة عن قتله وهي صارت تبكي وتصيح: “هذا ابني حبيبي، جبت له مي لاسقيه وخبز لأطعميه” وأمضت ما تبقى من حياتها لا تنطق إلا بسؤال واحد: “يما يا حبيبي مين قتل عبد الحسن؟”.

ثلاث شهادات على الجريمة قدمها كما لو كان ماثلا في محكمة: تدمير مخيم جنين في الاجتياح الأخير، اغراق 13 مسنا في مستنقع مرج ابن عامر وقتل عبد الحسن أمام ناظري أمه. هذه الشهادات تشكل التحدي الاكبر لمحكمة الجنايات الدولية التي لم تحقق حتى الآن بالنكبة.

في ساعة زمنية حضرت ذاكرة الموت وذاكرة الحياة واجتمعت الذاكرة الذاتية للكاتب مع ذاكرة شعبه الفلسطيني ليقول ان جيل النكبة شاهد عليها بعينيه وجيل الأبناء شاهد عليها بما سمعه منهم وجيل الأحفاد يدوّن ويسجل وينشر ويمسرح. حكاية اجيال متعاقبة تملك جميعها مفاتيح العودة ولا تتخلى عنها.

تم هذا العرض غداة الذكرى السابعة والستين للنكبة، وفي كلمة الافتتاح التي قدمها مدير مؤسسة الأفق عفيف شليوط قال:  :” إن سلمان في هذا المساء ينفض غبار السنين عن أحداث حصلت في العام 1948 بحلوها ومرها، مؤكداً أن الذاكرة سلاح يجب أن نستخدمه في مواجهة الواقع الذي تتم محاولة فرضه علينا. فهذه الذاكرة عبارة عن حكايات بسيطة لكنها تكشف عن عالم كبير، فيه ألم بحجم المأساة وفيه ابتسامة بحجم سخريات القدر وفيهحكمة بحجم العالم الفلسطيني العبثي”.

وقال  مخرج المسرحية ، المخرج العريق أديب جهشان، عن تجربته في اخراج هذه المسرحية: ” هذه قفزة نوعية في بلورة الذاكرة والحكاية الفلسطينية. ان اتاحة الفرصة لسلمان أن يُقدّم انتاجه الأدبي على المسرح ليس بالأمر الجديد عالمياً ، بل هو جديد في مسرحنا العربي”. وأضاف :”سلمان ناطور يدرك عمق القضية الفلسطينية وتحليلها عبر حكاياته ولذلك لا يجيد تقديمها أحد غيره، وعندما قرأتها قلت : هذا النص له فقط لقدراته الأدائية الخاصة وحضوره المميز، وقد اعتمدت الرؤية الاخراجية على تقليص واختصار  المؤثرات المسرحية في الديكور والموسيقى والاضاءة، لكي يتسنى تقديم الحكايات بجمالياتها شكلا ومضمونا وبقوتها الكبيرة في التأثير على وجدان المشاهدين لتثير كل الاسئلة الصعبة”.

ساعد في الاخراج الشاعر هلال الهندي. صمم الاضاءة ونفذها نزار خمرة . اعد الموسيقى الفنان الياس غرزوزي، وأشرف على التقنيات راني سعيد.

تحية لاديب جمهور مع الحطة من حكاية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .